تصميم الذيب العربي 2011
العودة   الجريف شرق > المنتديات الرئيسية > منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
الإهداءات
 
         
منتدى الجريف الثـقافي والأدبي للمواضيع ذات السمة الثقافية الشعر، الأدب، الرواية ، الأغاني، الفنون ، الفكر ، التراث


المكتبة الالكترونية

منتدى الجريف الثـقافي والأدبي


إضافة رد
   
  تصميم الذيب العربي 2011
 
أدوات الموضوع اسلوب عرض الموضوع
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 10:43 AM رقم المشاركة : 41
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الشعر في السودان
إلى نوادر أجواد وفرسان
و »ابن المحلق « لم تبرح حكايته
في الناس يسردها أشياخ حمران
يا قبر »تاجوج « حياك الحيا ومشى
بصفحتيك شذى ورد وريحان
.. في البلاد وفي ماضي أبوتنا
فخر وان لم تكن تعني بإعلان
وكم بتاريخها من قصة عجب
جد الحكيم ولهو الوداع الهاني
فان يكن بات فيها الحر بصهرنا
فللحرارة يعزى فضل شجعان! ( ٣٠ )
وإذا كان بعض الشعراء »يستردون « وطنهم بالشعر I وكانوا يحسون أنهم
كلما تكلموا عن جانب منه أعادوه إلى ا =واطن I_ فان هناك بعض الشعراء
الذين رفضوا هذا العالم الذي يرى فيه المحتل I ومن ثم كان »انسحابهم «
إلى بعض الأطراف على نحو ما فعل عبد الله البنا ح _ اعتصم »بالبطانة «
رحلت إلى »البطانة « وهي روح
وريحان.. وعشرتها سلام
تناثرت الظباء على ثراها
وراتعها مع الأنس السوام
إذا ضج البهام بها عشاء
أجاب من الطلا فيها بغام
وان غنت جواربها ابتهاجا
شدا بجوانب الأيك الحمام
رياض الله بسطها فكانت
دليل وجوده.. وله الدوام
تألق زهرها فيها نثارا
تألق من جواهره نظام
فرادى كاليتائم من وشاح
وأحيانا على نسق توأم
137
التيار التقليدي
فمحمر كياقوت نثر
ومصفر يقبل أو يرام
وأزهر كالثغور اللعس أحوى
له في وجه ناظره ابتسام
تكاد شقائق النعمان فيها
تنادي »ما وراءك يا عصام ? «
هنالك حيث تأتلق العذارى
وتشتبه ا ساجد والخيام
وحيث ترى النسيم يضوع طيبا
فيحيا من مراقده الغرام
وكل فريدة في الحي ليلى
لها قيس يؤرقه الهيام
.. رفاق الضيف أنى حل هبوا
نشاوى الجود فهو لهم مدام
يكاد البشر يقطر من وجوه
لها للضيف ضم والتزام ( ٣١ )
وتتصل بهذا قصيدته I الدرامية التي أدارها ب _ بدوي ومدني وكيف
انتصر للحياة البسيطة I وسخر من تلك الحياة التي يحياها الناس في
ا =دن I على نحو قوله:
ابتدأ ا قام بالسلام
وقال ح l سار في الكلام
يا من ألفت سكن البيوت
وما بها من ملبس وقوت
أن البيوت حرها شديد
وما بها لنعمة مزيد
ا اء يشرى عندكم مع الحطب
والنار والقش بأثمان الذهب
ول ¥ ا عزى لكم يباع
وهن في بيوتكم جياع
138
الشعر في السودان
فلو سكنت معنا »البطانه «
ا رأيت مثلها مكانه
يكفيك من دنياك كلب صيد
يكون للغزلان مثل القيد
أنا إذا أمطرت السماء
فأرضنا جميعها خضراء
ابلنا من حولنا عظام
كأنهن رتعا نعام
وبقر الحي لها دوى
كأ ¢ا قرونها العصي
والضأن وا عزى تبيت حولنا
نحبها كحبنا أطفالنا
إذا ثغ l مغربا في الساحة
فكالنساء صحن في مناحة
فهل كانت هذه العودة عودة إلى عرى الحياة وتجردها Qعنى أنها كانت
عودة-على مستوى ميتافيزيقي-إلى البراءة والتطهر من شوائب حياة ا =دينة
ا =صنوعة اﻟﻤﺠلوبة القيم ( ٣٢ ) Iفي رأينا أن الفكرة أبسط من هذا كله فالعودة
هنا بسيطة تتصل بعوالم قد eة عرفها الشاعر وألفها وتعمق في الوقت
نفسه في قراءة الأدب الذي eثلها I فهو يعيشها مرت _ لا مرة واحدة I ثم أن
هذا العالم لم تكن rتد إليه يد الاحتلال I ثم أن جانبا من كرهه للمدينة
كان يرجع إلى ما يذكره بأن وطنه محتل ومتمزق.. وهناك من غنى بعالم
ا =دينة نيلا ونيما ( ٣٣ ) I ووسيلة مواصلات I ومكتبا ومكتبة I وحديثا حول
مدينة الخرطوم بوجه خاص ( ٣٤ ) I وقد يحمل الشاعر هذا العالم معه في
هجرته إلى الخارج على نحو ما فعل الدكتور عبد الله الطيب I ومع أنه
يعاتب هذا العالم الخشن I إلا أنه في كثير من الأحيان يذوب شوقا إليه:
ألم ترني ضاعت حياتي كلها
وأفنيت روق العرفي بلد الكفر
واطردني ظلم لو أن شباته
على الصخر أو هي كيدها جلد الصخر
139
التيار التقليدي
ومن دون أوطاني فجاج عميقة
وبحر دجوجي يقود إلى بحر
وعرض أوربا كلها ثم بعده
مسافة ‚ الروم والريف من مصر
وماخرة يرغو خضاره حولها
لها عركى من ذوي اللمم الصفر
فيا ليت أن النيل يدنو فماؤه
أحب إلينا من معتقة بكر( ٣٥ )
وفي الوقت نفسه استمرت الأغراض ا =توارثة ا =تمثلة في الغزل والتصوف
وا =دح والهجاء والرثاء.. الخ وكل ما يتصل با =ناسبات I وهي في أغلبها
تسير على الطرق ا =طروقة I فهي تقلد صراحة I وتستوحي I وتعارض I
وتقتبس I على أنه يجب أن نؤكد هنا-كما ذكرنا من قبل-على أن التراث
القد G ا =ؤكد لم يكن مستوعبا في السودان I وإذا كنا نشم رائحة القد IG
ونقع في دائرة أسره I فان الذي وراء ذلك ليس هو استيعاب هذا التراث I
ووقوف الشعراء عند بعضه I ولكنه في الغالب هو تلك الحياة التي تشبه
الحياة القد eة في الجزيرة العربية في كثير من ا =ناطق I وهو كثير من
العادات ا =شتركة ب _ العرب القدامى وب _ السوداني I_ بل أن واقع الحياة
في السودان الآن eكن أن يفسر الشعر القد G ( ٣٦ ) وان كان الأمر لا يخلو
من قلة تعمقت في التراث والحياة هناك على نحو ما نعرف من الدكتور
عبد الله الطيب I ونحن لا ننسى الجدل الذي دار ب _ الدكتور طه حس _
وبينه ح _ تعرض الدكتور طه حس _ لنقد ديوانه أصداء النيل ( ٣٧ ) I وعلى
كل ففي اللهجة السودانية-وفي الحياة أن صح التعبير-جانب لا ينكر من
الجزالة I وفي ضوء هذا تكون جزالة الحياة أغلب على الشعر من جزالة
التراث I وبخاصة أننا نعرف أن أكثر هؤلاء الشعراء كانت الثقافة العربية
هي النبع الوحيد لهم I حتى أن أكثر الذين كانت لهم صلة بالإنجليزية كانوا
في بعض الظروف يهدرون هذه الصلة من أجل العربية.
ومن خلال هذا التيار التقليدي eكن القول بأنه كانت هناك إرهاصات
تجديدية في هذا الشعر I وأن هذه الإرهاصات عرفت كيف تتواءم مع
ا =لامح الرئيسية لهذا التيار I فمن خلال هذا التيار وجدت إلى حد ما
140
الشعر في السودان
القصيدة ا =وضوعية I وقد rثلت أكثر ما rثلت في متابعة الحديث عن
الشخصية المحمدية I وفي تقد G شخصية عثمان-والخليفة عثمان من
الشخصيات المحبوبة عند السوداني _-على نحو ما نعرف من تلك القصة
الرحبة التي كتبها عبد الله البنا I والتي ر Qا أريد بها اكتمال الدائرة في
الشعر الحديث ( ٣٨ ) I ثم كان هناك اتجاه إلى تقد G القصة على نحو ما
نعرف من الانعطاف نحو حكايات كليلة ودمنة I وتقد G قصة منها بعنوان
»السلحفاة والبطتان «وعلى نحو ما نعرف من قصة »أنا والأعرابي « وقصة
»الناسك والأوهام « وقصة »ابن ا =لك وأصحابه ٣٩) « ) وإذا كان قد أخذ على
الشعر الفصيح الوقوع في أسر الحكام I وعدم الاحتشاد حول ثورة عام
I١٩٢٤ في الوقت الذي كان فيه شعر العامية يغلي بالأحداث ويهرع الناس
إليه I فإننا رأينا عددا من الشعراء الكبار يقبسون-على حياء-من مفاهيم
هذا الشعر I بل لقد رأينا الشيخ محمد سعيد العباسي I وهو من أعلام
ا =قلدين ينقل معاني هذا الشعر إلى شعر فصيح ( ٤٠ ) I وقد تستخدم بعض
الألفاظ العامية على نحو قول الدكتور عبد الله الطيب:
وقلة فيها »غباش « مثل هدم »العربي « بل قد يعمد الشاعر إلى ذلك
عمدا I كما في قصيدة »أمس زرنا أم دجاج ٤١) « )
وقد يلجأ الشاعر إلى وزن شعري دارج يدور على تفعيلات الرجز اسمه
»الجابودي ٤٢) « ) وقد يكثر من »الخرم «-وهو حذف ا =تحرك الأول-ولعل وراء
هذا التأثر بالعامية ( ٤٣ ) I وقد لجأ الدكتور عبد الله الطيب في قصيدة تر 
إلى تفعيلة الكامل مضمرة وغير مضمرة I وطلب القراءة بدون وقف للوزن I
ولولا أن هذا الشكل-والتجربة-غير ناضج لكان في مقدمة الذين دعوا إلى
ما يسمى بالقصيدة ا =دورة.
وبصفة عامة رأيناهم قد فصلوا ب _ قضية اللفظ وا =عنى I ووقفوا عند
الألفاظ أكثر uا وقفوا عند ا =عاني I وداروا حول القيم الثبوتية في اﻟﻤﺠتمع
وفي الكون I وأخذوا با =فاهيم القد eة كالتضم _ وا =عارضة واستعمال
ا =قدمات I وصهر التجارب بحيث تكون في خدمة عملية الإلقاء I والاعتماد
على ظاهرة »طاقة الصوت «-وعلى تلوين هذه الطاقة-على نحو ما نعرف من
الإكثار من أساليب النداء I والاستفهام I والتعجب I والندبة I والأمر والنهي I
والإثبات والنفي.. . الخ هذا بالإضافة إلى الإكثار من الجمل الشرطية التي
141
التيار التقليدي
تنغلق بعدها الدائرة I والى الإكثار من الحروف ا =تجانسة والى التركيز على
القوافي ا =طلقة لا ا =قيدة I لأن حرف الروي قد يستطيل-بفضل الإنشاد-
حتى يصبح حرف مد I بل قد يكون جزءا من بنية الكلمة I فهذه الظواهر
ظواهر صوتية في ا =قام الأول I وهي تستدعي أنواعا من ا =د I وأنواعا من
الشد I والضغط I والإمالة.. بل والقوافي I ولعل هذا يفسر غزارتها في
الشعر العربي كله فضلا عن الشعر في السودان.
142
الشعر في السودان
الحواشي
١×) ) انظر تاريخ الثقافة العربية في السودان. د. عبد اﻟﻤﺠيد عابدين ٢١٨ ويخالف هذه ا =قولة د.
محمد مصطفى هدارة في تيارات الشعر العربي ا =عاصر في السودان ص ٧٩ وما بعدها.
٢×) ) انظر مثلا ما جاء في العددين. اللذين صدرا في ٢/ ٬٢١ - ١٩٢٥ / ٤/ ١١ وتأمل مثلا قول
الجريدة »قد يؤثر الحاكم العادل الصادر من الجنس الذي ليس من أهلك ولا دينه دينك تأثيرا
قويا يجبرك على الإقرار بأنه خير من جنسك I وكثيرا ما يصدر هذا القول من الناس عندما
ينصفون I فإذا سلمت لي Qا قلت وجب عليك أن تحب حكومتك العادلة حبا جما .«
٣×) ) ديوان الروادق ٧٣٬٧٢ .
٤×) ) حضارة السودان في ١٩٢٥ / ١١ / ٨.
٥×) ) حضارة السودان في ١٩٢٥ / ١٢ / ٣٠ .
٦×) ) شعراء السودان ١٤١ .
٧×) ) نفسه ٢٤٧ .
٨×) ) مجموعة لم تطبع.
٩×) ) مع الأحرار ص ٤٨ .
١٠×) ) صوت السودان في ١٩٤٥ / ٥/ ١.
١١×) ) الأدب السوداني وديوان الطبيعة ١٨٧ .
١٢×) ) ديوان أصداء النيل ص I٥٨ وا =عروف أن الدكتور عبد الله الطيب ليس أسود اللون I وهو
يلحق نسبه في مقدمة الديوان بالعباس I وا =قصود بلام في البيت. الخامس »شارلس لام « الأديب
ا =شهور.
١٣×) ) وللحقيقة فالدكتور عبد الله الطيب شيخ من شيوخ العروبة في السودان I ولعل هذه النبرة
كانت في فترة الفزع الأولى ح _ تقابله مع الحضارة الإنجليزية في الشباب I ومن ا =عروف أنه من
غلاة المحب _ للعروبة والإسلام I وللشعر العربي بصفة خاصة I وتأمل قوله في مقدمة أصداء النيل
»وقد قلبت نظري في كثير من الدواوين العربية والإنجليزية I واستقر في نفسي بعد ا =وازنة أن
الشعر العربي ليس كمثله شيء uا قرأته في الإنجليزية I حتى ولا شعر شكسبير .«
١٤×) ) ديوانه ص ٬٥١ I٦١ وكلوول قرية زارها الشاعر بإقليم تلال مالفرن من أواسط إنجلترا
الغربية I وفي هذا الإقليم قد عاش جماعة من شعراء الإنجليز.
١٥×) ) انظر الشعر الحديث في السودان. د. عبده بدوي ٥٤٥ وما بعدها.
١٦×) ) تأمل قول الأستاذ محمد فريد أبو حديد في مقدمة ديوانه ».. وصاحب الديوان لا يفتأ
يحن إليها حن _ الكر G إلى وطنه الحبيب I وهو مثل خيار الكرام في شطر الوادي يرى أن حياة
مصر والسودان إ ا هي حياة واحدة لا تتحقق لأحد الشق _ إلا بتحققها للشق الآخر.. الخ
١٧×) ) ديوان العباس ٨٢ .
١٨×) ) نفسه ص ٥٠ وبنت الكرام لا يقصد بها الشاعر الساقية أو الساقي وإ ا يقصد مصرفي
هذا البيت والذي بعده.
143
التيار التقليدي
١٩×) ) مار: ترخيم مارية يقصد مصر I والقرط يعني به السودان.
٢٠×) ) ديوانه ص ٬٧٤ ٬١٦٠ ١٧٨٬١٧٧٬١٦٤
٢١×) ) ديوانه الفجر الصادق ٨٤ وما بعدها.
٢٢×) ) جريدة العلم في ١٩٤٩ / ١/ ٢٣ .
٢٣×) )السودان الجديدة في ١٩٥٥ / ٦/ ١٥
٢٤×) )عصارة قلب ٩٥ وما بعدها.
٢٥×) ) نار اﻟﻤﺠاذيب I١٢٣٬٣١ وفي كرري-وهي جبال بالقرب من أم درمان-كانت ا =وقعة الفاصلة
ب _ السوداني _ والإنجليز
٢٦×) ) بفتح ا =يم وكسر اللام ا =شددة I مركز من مراكز دارفور I ويشق مليط واد عظيم يسمى وادي
مليط يأتيها من الغرب I وبها كثرة كاثرة من النخل والفواكه.
٢٧×) ) اسم واد يقع غرب السودان I وحوله من الآثار ما يدل على أنه كان مثوى حضارة قد eة.
٢٨×) ) إشارة إلى أن الخد لم »يشلخ « على عادة بعض السوداني _ في التشريط على الخد
٢٩×) )يشير هنا إلى قصيدة ا =تنبي في شعب بوان.
٣٠×) )ديوان الفجر الصادق ط ١ ص ٦٨ .
٣١×) ) يشير إلى عادة محلية خاصة بالسلام في السودان.
٣٢×) ) راجع الشعر الحديث في السودان. د. محمد إبراهيم الشوشي ٨٠ / ١.
٣٣×) ) شجر يكثر في السودان.
٣٤×) ) أصداء النيل. د. عبد الله الطيب ٤٠ وما بعدها.
٣٥×) ) نفسه I خضاره: هو البحر. العركي: ا =لاح I وا =قصود البحارة الأوربيون.
٣٦×) ) تأمل هذا الهامش الذي كتبه الدكتور محمد النويهي في الاتجاهات الشعرية في السودان
ص ٬١٥ ١٦ - .. درست الأدب العربي القد G في مصر I وكنت أعتقد أنني أفهمه I ولم أدركم كان
فهما نظريا إلا ح _ أرسلت إلى السودان وعشت فيه I وتجولت في تلك البيئة القريبة الشبه =ا
وصفه الشعراء القدامى I ورأيت للمرة الأولى في حياتي كثيرا من النبات والحيوان وا =ناظر
الطبيعية التي سجلوها I إذ ذاك فقط بدأت أفهم الأدب القد G فهما حقيقيا شخصيا مباشرا I
ولعل في هذه الحاشية الشخصية ما يحمل دارسي الأدب ومدرسيه المحترف _ على أن يكملوا
دراسهتم النظرية بالدراسة »الحقلية « فان الاكتفاء بدراسة دواوين الشعراء وشروح القدماء والغوص
في رفوف ا =كتبات لا يغني عن التجربة الشخصية ا =باشرة في فهم الشعر القد IG والتشرب
بروحه مهما تكن مقدرة التخيل لدى الدارس .«
٣٧×) ) قال الدكتور طه حس _ ينتقد هذا البيت للدكتور عبد الله الطيب:
فظللت أرضي النفس بعد نفارها
وأكرهها حتى استمر مريرها
أي الناس يستطيع أن يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة I
وتعمقوا شعر القدماء من شعرائنا I ولا سيما حتى استمر مريرها هذه I وما على الشاعر لو قد آثر
اليسر فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها I والبيت الذي يلي هذا
البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى ا =عجمات:
على ح _ قاربت الثلاث _ وانتمت
إلى ا =رء أحداث كثير شقورها
144
الشعر في السودان
لفهم كلمة الشقور هذه I والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور فما ضره لو اصطنع
كلمة الأمور نفسها فأقام وزنه وقافيته ولم يغير من جمال الشعر شيئا:
سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ بها
فتك بنفسي وخمر ب _ أوصالي
وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه كيف استطاع ا =عاصرون أن يفهموها دون الرجوع إلى
معجم من ا =عجمات I وكيف السبيل إلى أن يذوقوها بعد أن يفهموها I أما شاعرنا فيصطنع
السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء قد أسكرها الشباب I وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة
أخرى!
وقد جاء في رد الدكتور عبد الله الطيب.. أما بعد يا سيدي فأنا بدوي حقا لأن أهل السودان
الشمالي كلهم أقرب إلى البداوة I ولهجتهم الدارجة فيها غريب كثير I وقد حاكيتها في نظمي
كثيرا I واجتهدت أن أنقل إلى القار Ÿ لونا من جزالتها وجزالة قومي I وليعذرني سيدي أن قلت I إن
أول معرفتي بالعربية كانت من طريق اللهجة الدارجة في أناشيدها وشعرها-راجع الشعر الحديث
في السودان. د. عبده بدوي ٬٦٤١ ٦٤٢ .
٣٨×) ) كتب عبد الحليم ا =صري البكرية I وكتب حافظ العمرية I وكتب محمد عبد ا =طلب العلوية
الأولى والعلوية الثانية.
٣٩×) ) انظر الشعر الحديث في السودان د. عبده بدوي I٤٤٤ وللدكتور عبد الله الطيب قصيدة
rثيلية بعنوان قيس وليلى في ديوانه أصداء النيل ٨٢ وما بعدها.
٤٠×) ) ح _ سمع في مضارب أولاد طريف صوتا بدويا ينشد:
يا أب لونا سمري
يا أب حديثا rري
الدوار أني
يا الله تجمع شملي
- ا =عنى يا صاحب اللون الأسمر I والحديث الحلو كالتمر I أنى تائه أبحث عنك I فالله يجمع شملنا-
- قال:
اللون لون الذهب
والقول حلو الرطب
لي أرب في ذا الرشا
يا رب فاقض أربي !
وح _ سمع أغنية تقول:
ختانه ختى زيدي
بكريكي بي مجيدي
شوفي لي حبيبي
في البلد البعيد
- ا =عنى. أن البدوية تستنجد بالعرافة I وتعدها بريال »مجيدي « أن استطاعت إرشادها إلى حبيبها
الذي غاب في بلد بعيد-
قال:
145
التيار التقليدي
عرافة العرب زيدي
ومن نداي اشتزيدي
فكيف حال حبيب
أمسي بقفر بعيد!
انظر الشعر الحديث في السودان. د. عبده بدوي ٬٤٦٩ ٤٧٠ .
٤١×) )أصداء النيل ٤٦ . غباش من عامية السودان I والعربي باللهجة السودانية تعني الأعرابي.
والهدم الثوب القيم.
٤٢×) ) نفسه ٥٧ في الجاهلية أصناف منه I ومن أمثلته السودانية:
يا صندل الشقيقه
تهموني بيك رفيقة
والناس عجم ما بيدروا بالحقيقة
٤٣×) ) نفسه ٢٨٬٢٢ .







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 10:44 AM رقم المشاركة : 42
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الوجداني
أشاع فشل ثورة ١٩٢٤ الحزن في الناس I وكان
أن انسحبوا إلى داخلهم يفكرون I ولقد كان uا
ضاعف الحزن وفجره في آخر الأمر أن قبضة
الإنجليز قد اشتدت على البلاد I وأنه أخذ أكثر من
إجراء لأحكام عملية الفصل ب _ مصر والسودان I
وقد وصل الأمر إلى تحويل ا =تعلم _ إلى بيروت I
والى توثيق الصلات بينهم و ب _ الزعماء الطائفي _
والعشائري _ على حساب الكثرة الكاثرة من الناس I
وقد سموا السنوات التي أعقبت الثورة باسم
»السنوات العجاف « على أن الأمور قد عادت إلى
صالح السوداني _ ح _ أقرت معاهدة ١٩٣٦ مبدأ
عودة ا =صري _ إلى السودان I ومع أن عودة ا =صري _
كانت »اسمية « إلا أنها أنعشت آمال كثير من
السوداني I_ وقد كان من ثمرة هذا ظهور »مؤ rر
الخريج «_ كقوة فعالة في تاريخ البلاد عام I١٩٣٨
ثم كان ظهور الأحزاب واﻟﻤﺠلس الاستشاري I
والجمعية التشريعية I واﻟﻤﺠلس التنفيذي I وكل هذا
وغيره كان مكاسب تنتزع انتزاعا I وقد كان
السودانيون دائما يطالبون با =زيد I ثم كان موقف
ثورة ١٩٥٢ في مصر موقفا مشرفا من خلال اتفاقية
السودان التي أبرمت عام ١٩٥٣ ( ١).
13
148
الشعر في السودان
لقد q في أول الأمر إفراز عدد من التيارات العدمية I فقد رأينا مثلا
واحدا من رجال ثورة ١٩٢٤ يئن و يتحسر ويأخذ في شكوى الزمن I على نحو
ما نعرف من قصيدة طويلة لصالح عبد القادر يقول فيها:
لا تلمني فتكن متهمي
إن عقلي لم يكن متهما
ولم الدهر على تقصيره
أخطأ الدهر وعمدا ظلما
ليته يعلم ما أعلمه
حيث لا يجعل حظي ندما
أبدا والله لا أعذره
طا ا جار وحقي هضما
وطواني في زواياه التي
ضيعت ناسا وداوت أ ¦ا
بيننا معرفة لكنه
غض عني الطرف ا حكما
.. يا بني قومي أفيقوا إنكم
ما خلقتم لتعيشوا غنما
ليتني أعرف ما أحزنكم
سادة كنتم فصر y خدما
ولقد يحزنني أني أرى
رأيكم مختلفا منقسما
فأفيقوا يغفر الله لكم
واطلبوا العليا وجاروا الأ ¦ا( ٢)
ومثل هذه النغمة نجدها عند الشاعر حسن عمر الأزهري على نحو ما
هو معروف من قصيدته التي يقول فيها:
لعب السكسون بي هل سلمت
كرة ترمى بأقدام عتاه
أثقلوني ميرة واحتكروا
كل مشروع سوى باب السفاه
149
التيار الوجداني
أمسكوا من قلمي بل أمسكوا
لفظة تخرج من ب l الشفاه
فالتزمت الصمت حتى لم أقل
في كلامي غير آه ثم آه
وفي الوقت نفسه تكلم كثيرون عن ا =وت I على نحو ما نعرف من ديوان
وادي عبقر للدكتور سعد الدين فوزي بصفة خاصة.
وهناك تلقف أخبار ا =وتى للقيام بواجب الرثاء I بل لقد كان من الغريب
حقا أن توفيق صالح جبر يل الذي فجر القصيدة الأولى من قصائد ثورة
I١٩٢٤ قد أنفصل rاما عن هذه الثورة I فديوانه الذي صدر في أربعة
أجزاء قد تحول إلى خط _ رئيسي _ هما شكوى ا =رض والحياة والدندنة
حول كؤوس الخمر I وان كانت تحفظ له إ =امة نحو أربعة من رجال الثورة
وح _ رثى بشير عبد الرحمن عرض بالإنجليز تعريضا »مهذبا :«
أودى بأربعة صدور في الوغى
يا ويحهم ألقوا صدور رماح
في حفرة من بعد أن أصلوهم
نارا توقد في النهار الضاحي
ومضوا »بسر الختم «بعد صفيه
رب »اللواء الأبيض « الوضاح ( ٣)
للسجن Š للتشريد Šلا لجريرة
ما الذود عن أوطانهم بجناح
و uا يتصل بهذا الجانب العدمي الإقبال على الهجاء I فقد هجوا ا =دن I
والشوارع I وا =ؤسسات I والرؤساء I والأصدقاء I والأعداء.. . الخ ولقد كان
وراء ذلك الاضطهاد وا =رارة و »التنفيس « عن أشياء كثيرة rتلئ بها النفس I
وقد انبثقت من هذه الأرضية جماعة سمت نفسها »شعراء الكتيبة « كان
مقرها مكتبة حسن بدري بأم درمان I ولقد كانوا جماعة من المحبط _
الذين لم تتحقق آمالهم في الحياة I ورأوا أن يبتعدوا عن عواصف السياسة I
ومن ثم وضعوا دستورا للدخول في الكتيبة I كان من ملامحه أن العضو
يستحق العضوية إذا هجا أكبر عدد من الشعراء ا =ؤسس _ للكتيبة I وأن
ا =سافر والقادم يجب أن يقال فيه شعر I وأن التقرير السنوي لابد أن يكون
150
الشعر في السودان
شعرا I وأن على أمير الكتيبة-حسن بدري-أن يشغل الشعراء بالوقيعة ليكون
هذا دافعا للشعر I وبصفة عامة فقد كانوا كالخطيئة يبحثون عن »موضوع
للهجاء ٤)« ) وكانت لهم طريقتهم الخاصة في تناول أدب »الإخوانيات I« ولقد
كانت القصيدة التي استحق بها النور إبراهيم دخول الجمعية قصيدة طويلة
منها:
أزف بنات الشعر غضا إهابها
حسانا وحولي كل أعجم زنديق
شعارير آفاق بدوا في كتيبة
أرى شعرهم ضربا من التلفيق
ولقد كان هناك صراع على الإمارة بينه وب _ حسن بدري I وكان هناك
صراع ب _ حسن بدري وبينهم جميعا I فهو يقول مثلا:
يا عصبة هجرت بنات الشعر عن
كسل يكاد إلى الخمول يعيدها
تهجون من أحيا لدولة شعركم
فغدت ترف على البيان بنودها
ا رأى روح القريض تناثرت
أوراقها ظلما وأذبل عودها
.. فأثرتها شعواء ب l صفوفكم
ملأ الفضاء برقها ورعودها
فيكون هناك رد جماعي منهم:
ألا من مبلغ عنا ابن بدري
بأن الشر آخره لشر
جعلت »الدرج « وكرا للأهاجي
فقد أوى إليه شر طير( ٥)
.. وما عرفت لك الأيام سعيا
حميدا Š أو دعيت لفعل خير
أتسعى بالوشاية ب l قوم
كرام من بني اﻟﻤﺠد الأغر
151
التيار الوجداني
.. فيالك تاجرا في كل فن
يبيع ا كرمات وليس يشري
أأوراقا Š وبطيخا Š و —را
وآخر في الزكائب لست أدري
.. أحاول أن أسوق إليك مدحا
ويأبى الله يا حسن بن بدري
وقالوا: الشيخ ذو فضل: فقلنا
وطاسات وكاسات وخمر
ولهم شعر كثير في الولائم I فهذا محمد ا =هدي مجذوب يقول في »وليمة «
لم يف بها النور إبراهيم في رأيه:
طارت بها العنقاء فما بكوا لها
وليمة أقرب منها السها
يغرر »النور « بكم ساخرا
وزوره في هجوكم ما انتهى
لو أطعم »النور « أخا واصلا
لأطعمكم »سدرة ا نتهى «
يبخل إلا بالوعود التي
يأكل منها »كرف ٦)« ) ما اشتهى
ويصف الشاعر الخزرجي الطريق إلى الوليمة I والوليمة فيقول من
قصيدة طويلة:
فلكم لقينا في الطريق من ا شقة والعنا
حتى تراءت دارك السوداء واهنة البنا
وهي التي جدرانها من عهد آدم جدنا
سكن الذباب بجوفها الخاوي وراح مطنطنا
.. وهناك طار »جنابه « ا رآنا كلنا
وبنوه حفوا بالضيوف فهم ضيوف بيننا!
وأتى الغداء فلم يكن مستمرا مستحسنا
ويرد النور بشعر كثير يستنطق فيه خروفه الذي أكل I وهناك شعر كثير
ب _ النور والشاعر كرف I تدور حول أن الأول كان ناظرا على الثاني I ولقد
152
الشعر في السودان
كانوا يتفاخرون بالأنساب I وكانوا كثيرا ما يسخرون من الشاعر أمام دوليب
لأنه كان أسود اللون I وح _ عزم على السفر إلى مصر لتلقي العلم قيل فيه
شعر كثير منها هذه القصيدة للنور إبراهيم:
أعزز علينا أن نودع فاضلا
كان الإمام إذا البلاء تراءى
والناس من خلف الإمام وكلهم
يرجو الإمام لوقفة سوداء
أنا أن مدحتك يا إمام فصادق
ولئن هجوتك فالقريض أساء
والله أسأل أن نراك بغبطة
يوم الإياب Š ولحية بيضاء
وابدأ بنفسك واعظا أن شئت أن
تحيا وحسبك بالتعجرف داء
شذ الأمام بلون وجه كالح
فتخاله ب l ا لا إقواء
عجبا صر وكم بها من مضحك
حتى متى تستجلب الأدواء
يا مصر أن ترمي بأسود نابه
فلكم رميت بحية رقطاء
هذا كويفير أتاك معمما
أرض الكنانة احذري الأزياء
وقد اطلعت لهم على شعر في هذا »الدرج « لا يروى I فهو من الأدب
ا =كشوف الذي قيل ﻟﻤﺠرد ا =رح ب _ بعضهم( ٧).
.. ولعل uا يتصل بهذا الجانب العدمي هذا الإكثار من الحديث عن
الخمر I ومع أن البعض حاول أن ينسحب بوساطتها ليرى قدرا أكبر وأعمق
في الكون وفي النفس I إلا أن هذا البعض لم ينجح في الارتفاع بها I ذلك
لأن الأكثرية فضلت أن تجرع الحباب الذي »يسقسق في الأفواه كالطير «
وفضل شرب الخمور الرخيصة بلا طقوس جمالية كقول محمد ا =هدي
مجذوب:
153
التيار الوجداني
واجترع »ا ريسة « في الحواني
وأهذر لا ألام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش
بأحساب الكرام ولا —يم
وأصرع في الطريق وفي عيوني
ضباب السكر والطرب الغشوم
ولي شرف.. وما جدوى صياحي
بفخر ليس يشربه الند ‚( ٨)
وقد عاد فطور هذه الصورة في قصيدة »راية الحانة « فقال:
»مريستنا « ملأت برمة
على فمها يستدير القمر
تلوح رايتها فوقنا
شراعا يعود بنا من سفر
يوشوش متكئا دلق
عليه جلال النهي والخطر
تقعده بيننا كاعب
لها عرق كالجمان انتثر
تشد إزارا على صخرة
وما ألصقت شعرا بالشعر
تناولني فأسيغ الشرا
ب وأجرع من قرع معتبر
وتطعمني من قديد الشوا
ء وتطرقني بعجيب السير
حفظت لها ودها شاكرا
وتحفظ ودي »ست النفر «
طليق ولا خير في معشر
صحبتهم فصبحت الضجر
عجلت إلى ودهم جاهلا
ومالي في جهلتي معتذر
154
الشعر في السودان
لهم ضحك خلته صادقا
وطرقع مثل كرات »العشر «
نقيق »الدلاليك « تحت ا ساء
تضارب مستعرا واشتجر( ٩)
خشيت الصباح وراء الظلام
يؤامر في بنات القدر
وحيد وان كنت في سامر
ولي وطن ضائع منتظر
وبصفة عامة فقد أسرف الشعراء السودانيون في هذا الجانب I فإذا
كان ا =تصوفة قد اعتبروها راحلة ومعراجا للأسرار العليا I فان كثيرا من
الشعراء قد هربوا بها إلى عوالم بعيدة عن واقعهم البائس والحزين I بل
لقد قاتلوا بها أشياء كثيرة.
شربت ففي رأسي دوي مجنح
وفي بصري أشباحه واﻟﻤﺠاهل
.. نقاتل أحزانا Š وحبا Š وموطنا
تقاتلنا فيه القيود القواتل( ١٠ )
إذا كان اﻟﻤﺠتمع السوداني قد عبر مرحلة الثبات والنظر إلى الوراء التي
تتفق وا =رحلة التقليدية I فان ا =لاحظ أنه في هذه الفترة كان في مرحلة
عبور قلق من القد G إلى الجديد I ولهذا كان دخوله الكبير في ساحة
ا =رحلة الوجدانية التي اصطلح على تسميتها بالرومانسية I والتي كان فيها
الشاعر مشدودا ب _ القد G والجديد I و uزقا في الوقت نفسه من مرحلة
الجذب هذه I وان كان يعطي أكثر نفسه للجديد فحاله هنا كحال اﻟﻤﺠتمع
الذي يعيش فيه I وبصفة عامة فانه Qرور الوقت يشعر بالتناقض ب _ عدد
من الثنائيات كالقد G والجديد I والواقع وا =ثل الأعلى I والإرادة والقدر »لذلك
تكثر ا =قابلة في أشعار هؤلاء الوجداني _ فتكون محورا لكثير من صورهم
الشعرية I وتعبيرا عن إحساسهم الحاد I وقد تكون تلك ا =قابلات عميقة
مركبة I وقد يكتفي الشاعر منها Qقابلات يسيرة لفظية ( «(١١ لهذا نرى
التجاني يوسف بشير يغرق نفسه-بفرح وشفافية-في النور الإلهي في قصيدته
التي عنوانها »الله I« ويبدو متأثرا بابن عربي I وبقضية »وحدة الوجود «
155
التيار الوجداني
وبطريقة التصور الإسلامي للإله حيث يقول مثلا:
نحن مجلى علاه في كل دان
من مرائي الوجود أو كل ناء
ظن أدنى الظنون في قربه منك
وأقصى ما شئت من علياء
وادن بالجانح ا شط وصعد
بالخيال ا سوم العداء
وتوغل ب l الظنون ونفر
ها خيالا Š واقعد على الجوزاء
تلقه في الحياه أدنى إلى نفس.. .
ك منها إليك في الإصغاء
قلت: زدني! فقال: يسمع ما في
الأرض من همسة ومن إ ’اء
خطرات من هاجس Š أو مطيفا
من خيال Š أو غامضا من دعاء
قلت: زدني! فقال: يعلم كم عن.. .
د نديف مصعد من هباء
كل شيء لديه في مستقر العلم
عدا Š ورقعة الإحصاء
قلت: زدني ! فقال: أجهل إلا
صورا أوغلت علا في الخفاء
فتفلت من يدي وسبحت
بديئا لأول الأشياء
أين مرقى سمائه ? أين ملقى
قدسي الصفات والأسماء?
قال: في رقة الصوامع Š أو لو
عة بيض ا ساجد الغراء
لم تشدها يد الفنون ولا صا
غت محاربها يد البناء
156
الشعر في السودان
كلمات مبثوثة في الفضاء الر
حب من ساجد ومن صلاء( ١٢ )
... بينما نرى التجاني يوسف بشير قد »تواجد « كالصوفية على الآية
التي صدر بها قصيدته وهي »الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة
فيها مصباح ا =صباح في زجاجة « نراه يكتب قصيدة بعنوان »يؤ =ني شكي «
ونراه يكتب قصيدة »ا =عهد العلمي « على نحو ما مر بنا سابقا I وبينما نراه
ثائرا في قصيدة »ثورة « نراه هامدا ومشتتا في قصائد »نفسي « و »الصوفي
ا =عذب « و »نفسي « وبينما نرى له قصائد كثيرة تتحدث عن ا =وت وترغب
في لقائه( ١٣ ) I نرى له بعض قصائد تتحدث عن الحياة I وبينما نراه غامضا
في بعض شعره نراه واضحا في البعض الآخر I وبينما نراه معجبا بالجمال
المحلي على نحو ما نعرف مثلا من قصيدة ا =صير التي جاء فيها:
فيا وادعا حا ا كا لا
ئك تهبط من حجرات الأبد
يرف عليه شباب الفنون
وتبرق في وجنتيه »الفصد ١٤)« )
نراه معجبا بالعديد من القصائد »بالجمال الأجنبي ١٥) « ).. وبصفة عامة
فقد كان التجاني خير من مثل التيار الوجداني في السودان I خاصة ح _
نعرف أنه اعتمد على الحدس I وأخذ نفسه بالإبداع الرائع I وبالتحليق على
أجنحة الخيال في سماء الحرية I وبهذا النوع من عشق الكآبة والألم I وبالتغني
بالبراءة I والطبيعة.. . الخ I وبوقوفه على معجم منتقى خاص به I بالإضافة
إلى جيشانه الشديد.
وعلى كل فإذا كان شعر ا =ناسبات قد ضعف صوته في هذه الفترة I
وأصبحت الكفة راجحة في أيدي هؤلاء الوجداني I_ الذين أصبح لهم أكثر
من منبر I وبخاصة منبر مجلة الفجر( ١٦ ) التي كانت تعويضا عن مجلة أبولو
التي كانت قد كفت عن الصدور في مصر.. فان هذا التيار قد وجد استجابة
عند الكثير من الشعراء I ووجد استجابة عند العديد من النقاد I ولقد كان
ديوان »الطبيعة I« لحمزة ا =لك طنبل من البواكير الطيبة في هذا اﻟﻤﺠال
فقد قدم لوحات متتابعة للطبيعة في السودان I وتكلم عن الأشواق I
والذكريات I والألوان I وثورة النفس وسكونها I وهكذا غادر مناطق الجهارة
157
التيار الوجداني
إلى مناطق الهمس I وتجاوز محاجر اللغة I إلى ظلال اللغة وإيحاءاتها I وقفز
من العالم الخارجي إلى عالم النفس I ولم ينس أن eزق نفسه ب _ الشيء
ونقيضه على حد ما نعرف من قصيدته ب _ الأباء والأذغان I وقصيدته ثورة
النفس في سكونها I وقصيدته ب _ الله والطبيعة I وقصيدة عبرة-بفتح الع _-
وعبرة-بكسر الع _-وما أكثر هذه الثنائيات التي يتأرجح بينها الشاعر.. .
ويتعذب ! على أن الذي عشق الطبيعة إلى حد »الحلول « فيها كان التجاني
يوسف بشير I فقد كان يأخذ منها صوره I وموسيقاه I والكثير من أدواته
الشعرية I ثم انه كان يحتفظ في داخله بصورة نقية للطبيعة I تتمثل أساسا
في البراءة والجمال والجلال على نحو ما نعرف من قصيدته »توتي في
الصباح ١٧)« ) وقصيدته »في محراب النيل « وحتى قصيدة »الخرطوم «-وهي
مدينة كبيرة-تتحول في شعره إلى زهرة I وحلم I ولحن مازال يوقعه العازف I
وهي تلك القصيدة التي تبدأ بقوله:
مدينة كالزهرة ا ونقة
تنفح بالطيب على قطرها
ضفافها السحرية ا ورقة
يخفق قلب النيل في صدرها
تحسبها أغنية مطرقة
نغمها الحسن على نهرها
مبهمة ألحانها مطلقة
رجعها الصيدح من طيرها
وشمسها الخمرية ا شرقة
تفرغ كأس الضوء في بدرها
ومع أن النبرة الصوفية لا تتخلف في شعر التجاني I وكثيرا ما تغرقه
بالجلال إلا أنه ح _ eزج الطبيعة بالحب نرى الجمال يصدح Qرح وحيوية I
ونرى الجلال في الوقت نفسه ح _ eزج و »يوحد « ب _ الظواهر والعناصر I
على نحو ما نعرف من قصيدته التي عنوانها »أنت أم النيل ? « والتي يقول
فيها:
غننا يا جميل أغنية الني...
ل وبارك بسحر عينيك فيه
158
الشعر في السودان
وانحدر موجة على الشط غرقى
غير مسترفد ولا معتفيه
أن في حسنك العميق لأنها
را عذابا تغص من آذيه
إن في وجهك الوضيء وعي...
نيك ينابيع من دلال وتيه
أنت يا فاتني ? أم النيل زخا
ر بنفسي كليكما من شبيه?
وبصفة عامة eكن القول بأن الشاعر السوداني مفتون بطبيعة بلاده-
مع قسوتها وجهامتها-ومن النادر أن نجد شاعرا في هذه الفترة لم يحول
طبيعة بلاده إلى لوحات مشرقة I وأنغام مترعة I هذا بالإضافة إلى أن
الطبيعة من عناصر الخلق في شعرهم I ومن وسائل تحمل الحياة I على حد
ما نجد عند الناصر قريب الله I الذي نجد أن الحديث عن الطبيعة هو
الغالب في ديوانه I على حد ما نعرف مثلا من قصائد مثل: توتي الباسمة I
التي مطلعها:
هي في ا اء من صميم الشعاع
جنة للنهي ودنيا متاع
ومن قصائد بعنوان »دوحة ب _ موسم «_ و »رشاد « و »أم بادر « و »رحلة
إلى أربعات « و »حن _ إلى الأبيض ١٨) « ) ونحن نرى الحديث عن ا =دن-باعتبارها
قرى صغيرة-والقرى بهذا ا =عنى موجودة عند الكثيرين كجعفر حامد البشير
الذي تحدث عن الدامر وإحدى قرى الناشر I و يوسف مصطفى التني الذي
تحدث عن جبيت والأبيض I والدكتور كامل الباقر الذي تحدث عن كردفان I
وتوفيق صالح جبريل الذي تحدث عن كسلا I والهادي آدم الذي تحدث عن
حنتوب I وتوريت I ومبارك ا =غربي وطراف النمبري وآخرين تحدثوا عن
سواكن I ولإدريس جماع لوحة عن حياة الرعي في البلاد I وكثيرا ما كان
eزج-على غير عادة الشعراء-ب _ الطبيعة وحالته النفسية I كقوله مثلا:
كانت حياتي كالربا
في الصيف قاحلة وحرى
واليوم صرت خريفها
159







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 10:44 AM رقم المشاركة : 43
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الشعر في السودان
وهذا دليل على ارتباطه الأصيل بالوطن I و uا يدل على ذلك تدفقه بالحن _
تدفقا ح _ يسافر إلى بلد غربي I وح _ يصدم لونه الناس هناك I وح _
يريد الاندماج مع هذا اﻟﻤﺠتمع عن طريق الزواج منه على حد تلك التجارب
التي قصها الدكتور عبد الله الطيب في شعره I وقد تعرض يوسف التني
لهذا الصدام فقال فيما قال:
انه ينكر من أحوالهم
عجمة اللفظ وتقديس الصليب
وخلاقا غير ما يعهده
وجمودا باردا جد عجيب
مثلما أنكروا من لونه
سمرة كالخال في خد حبيب
فارحموا غربته عودوا به
قد كفاه ما يلاقي من لغوب( ٢٦ )
ومن الشعراء الذين تدفقوا بالحن _ إلى الوطن من لندن الشاعر مصطفى
عوض الكر G لقد كان من الذين التقطوا له-على البعد-أكثر من صورة
ذكية I وكان أقصى ما يعذبه أن eوت بعيدا عن الطبيعة في وطنه I على نحو
قوله مثلا متذكرا قريته ا =سماة »كرمة :«
رعى الله قومي النازح l بكرمة
وحياهم عني النسيم ا عطر
فهيات واد لندنى أحله
وواد بأدنى »كرمة « أتذكر
لقد كان لي واد ظليل ومرتع
جميل.. وواد دون نعماه عبقر
فهل أجلسن تحت النخيل يظلني
من السعف ا سحور فينان أخضر?
وهل أملأ الكف l من ماء جدول
به من زلال النيل شهد مكوثر
وهل اسمعن صوت القمارى موهنا
161
التيار الوجداني
لها في غصون الطلح والسنط منبر
لقد ضاع مني كل هذا.. وإ ¢ا
عزائي أن الآدمي مسير
وما شغلتني عن جآذر كرمة
من البيض ع l ناهدات وضمر
.. لعمري لقبر بالسليم يحفه
من العشر الظمآن أقتم أغبر
أحب إلى قلبي من الأفق الذي
نزلت به يخضل فيه الصنوبر
فلو كنت في عليا الجنان منعما
تنادمني حور كواعب ضمر
يقدم لي الغلمان خمرا عتيقة
’ازجها ماء الغمام ا قطر
وزادى تدنيه ا لائك يانع
من العنب ا سحور بالخمر يقطر
ويقرأ لي الأشعار جبريل منشدا
بصوت رخيم Š والنبيون حضر
لقلت: أرب العرش عدبي لكرمة
منى النفس فيها والنعيم ا قدر
وقد فعل الدكتور عبد الله الطيب هذا وكثيرون ما كادوا يبتعدون عن
الوطن حتى صرخوا ذاكرين ملتقى النيل I_ والسواقي I والنخل I والنيم..
وحتى شوك »السيال I« ومن ا =لاحظ بصفة عامة أن حنينهم كان طاغيا في
اﻟﻤﺠتمعات التي تؤكد على التفرقة العنصرية كاﻟﻤﺠتمع الإنجليزي واﻟﻤﺠتمع
الأمريكي I بعكس الذين سافروا-كالدكتور محيي الدين صابر-إلى فرنسا I
فهم يتعاطفون مع اﻟﻤﺠتمع الفرنسي I وإذا حنوا إلى بلادهم يكون حنينهم
معقولا I أما حنينهم في مصر إلى بلادهم فهو في كثير منه شعر صور
وتقرير واقع ليس وراءه الحزن الضاغط والألم ا =مض.. بل ما أكثر ما حنوا
إلى مصر وهم في السودان I على نحو ما فعله مثلا التجاني يوسف بشير
في قصيدته التي عنوانها »ثقافة مصر « والتي تبدأ بقوله:
162
الشعر في السودان
عادني اليوم من حديثك يا مص
ر رئي وطوفت بي ذكرى
وهفا باسمك الفؤاد ولجت
بسمات على الخواطر سكري
.. أما حن _ محمد الفيتوري فلم يكن للسودان I وإ ا كان للقارة الأفريقية
ككل I باعتبارها قد أصبحت رؤيا تحررية له I يحاول أن يخلع عليها صراعه
النفسي I وأن يتخلص في الوقت نفسه من أزماته الباطنية( ٢٧ ) I وقد يراها
بعض الشعراء دعوة إلى الانطلاق من قيود العالم الحديث I وقد عزف على
هذا الوتر كثيرا محمد ا =هدي مجذوب في شعره الذي كتبه في الجنوب
على حد قوله:
وأرضاني الجنوب فما أبالي
‘ن يصم العراة ومن يلوم
هم عشقوا الحياة فعاشرتهم
كما تبغي ا شاعر لا الحلوم
فليتى في الزنوج ولي رباب
—يل به خطاي وتستقيم
وفي حقوي من خرز حزام
وفي صدغي من ودع نظيم( (×
واجترع ا ريسة في الحواني
وأهذر لا ألام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش
بأحساب الكرام ولا —يم
وأصرع في الطريق وفي عيوني
ضباب السكر والطرب الغشوم
ولي شرف.. وما جدوى صياحي
بفخر ليس يشربه الند ‚ ٢٨× )
.. وفي الوقت نفسه لا نعدم روح الحن _ ا =شبوب إلى عالم عربي نقي I
والى الصورة ا =ثلى التي كان بعض الشعراء يحبون أن يروا عليها هذا
العالم.
163
التيار الوجداني
.. فإذا جئنا إلى ساحة الحب-وهي ساحة عريضة عندهم-وجدنا أن
بعض الشعراء يسيرون في الدروب القد eة التي تتحدث-في تجريد-عن
اللوعة والأسى I والهيام بالجمال I والحب من أول نظرة I وقد تفلت بعض
الصور العصرية كقول محمد محمد علي:
ألا هاتها يا عيون الهوى
فآخر كأسي التي في يديك
لآليت ألا أذوق الطلا
ولا أرفع الكأس إلا إليك
ومن ذا يرد تحية كأس
‘ثل ابتسام على شفتيك
وحقك ما ذقتها خمرة
تثير ا فارح إلا لديك !
على أنهم قد أسرفوا ح _ مزجوا حبهم بالشهوة I وح _ حولوا الجسم
عندهم إلى مائدة للطعام والشراب كقول محيي الدين صابر في مجموعة
لم تنشر:
فلقد شربتك كالسلافة مرة
ووردت راعشة دمي فسقاك
وطعمت كاﻟﻤﺠنون جسمك جائعا
ونهبتني.. يا نجوتي وهلاكي
يا نبعة عريانة Š يا غابة
عذراء في الأحراش والأشواك
وقد يخرج شاعر عن ا =ألوف كقول حمزة ا =لك طنبل:
ذاب قلبي عليه ح l تدانى
ب l عطفي مسلما لي عرضه
فاعتنقنا حتى إذا غلب الشو
ق على الجسم كاد يفقد نبضه
على أنهم لم ينسوا تقد G صور محلية لبعض صور العشق كبعض
الطقوس التي تأخذ بها ا =رأة نفسها قبل النوم I كما في قصيدة »غمائم
الطلح « التي منها:
164
الشعر في السودان
وحفرة بدخان الطلح فاغمة
تندى الروادف تلوينا وتعطيرا
لمحت فيه-وما أمعنت-عارية
تخفي وتظهر مثل النجم مذعورا
مدت بنانا به الحناء يانعة
ترد ثوبا إلى النهدين محسورا
قد لفها العطر لف الغيم منتشرا
بدر الدجى Š وروى عن نورها نورا
يزيد صفرتها عا Š وجدتها
صقلا Š وناهدها ا شدود تدويرا
أرخى الدخان لها سترا فبعدها
كدرة في ضمير البحر مسجورا
حتى إذا ضاق كن عنه أنفذه
ه l الصعود خصاص الباب مكسورا( ٢٩ )
وقد برعوا في تقد G أ وذج للجمال السوداني I فبعضهم قد أحب
ا =رأة »ا =شلخة « فهذا يوسف التني يقول:
فينوس.. من ساق الجمال
مصورا في زي غاده
يضوي على قسماتها
نور ا لاحة »والفصاده «
وهذا الشاعر باخريبة يقول:
لا حبيب القلب لا تشفيك من حبي أراده
لا ولا يشفي المحب الطب أو تجدي العياده
الشفاء الحق أن حاولت أن تلقى مراده
لثمة في خدك الناعم ما ب l الفصاده
وللتجاني حب للتشخيص أظهر بعضه وأخفى بعضه كقوله مثلا:
فيا وادعا حا ا كا لا
ك تهبط من حجرات الأبد
يرف عليه شباب الفنون
165
التيار الوجداني
وتبرق في وجنتيه »الفصد ٣٠)« )
والشاعر الناصر قريب الله تعرض للطريقة الخاصة لتضفير الشعر
للبدويات في الأبيض:
باديات النهود غير وشاح صان نهدا وخان آخر مسا
توجت رأسها ضفائر سود تلاقي لديه ضفرا وعكسا
كما أنه صور السودانية في »وادي كيل « وصور الدكتور كامل الباقر
الفتاة الكردفانية I وأعطى احمد محمد صالح ملامح فتاة »الجزيرة «.. وقد
تظل الفتاة السودانية شغله الشاغل في الغربة I على نحو ما نعرف من تلك
القصيدة التي كتبها مصطفى عوض الكر IG والتي تدور حول أنه ح _ رأى
في »مدر يد « الناس يتوافدون في إحدى ا =ناسبات الدينية I رأى نفسه-وهو
ا =سلم-يدخل كنيسة I و يطلب من الله أن يرزقه بفتاته »ز ينب « التي تقيم في
السودان:
لست أنسى ليلة العبد في عهد بعيد
حينما نادى ا نادى لصلاة يوم عيد
والنصارى ’لئون الأرض من حلو النشيد
كل شيء ظاهر للع l في ثوب جديد!
وبدا الرهبان مذهول l في صمت رهيب
وعلت رائحة العطر لنا من كل طيب
أوقدوا النار Š وطافوا Š وأطفنا بالصليب
و —شت كهرباء الحب في كل القلوب
ثم قام الناس كل يتمنى Š وينادي
يسألون الله أشتات الأماني في اجتهاد
و —نيتك يا »زينب «من كل فؤادي
ثم لم أسأل الهي غير هذا من مراد!
.. على أن هذا لا eنع من أن نرى طائفة من الشعراء يتهللون للأجنبيات I
و يسخرون-كمحمد الزبير شعير-من لابسة »التوب ٣١)« ) I وقد رأينا منهم من
ينبهر بتحرر ا =رأة الإنجليزية على نحو ما هو معروف من إعجاب مدثر
علي البوشي الذي كتب قصيدة في إنجليزية تلعب التنس أنهاها بقوله:
كذلك تحكم الحسناء فينا
166
الشعر في السودان
متى لاحت ولوح معصماها
ونجد عددا من الشقراوات في ديوان يوسف التني I على نحو قوله في
سويسرية:
أشتهي عجمة الرطانة فيه
كتشهي الفطيم حلو الرضاع
أن في شعرك ا ذهب معنى
عسجديا Š وفيه ذوب شعاع
قلت: من أبدع ا فاتن هذى
فأجابت في ضحكة وتداعي
أبدعتها أم الجمال سويسرا
وسويسرا عظيمة الإبداع
ولحسن عزت شعر في أ =انية I ومحمد سعيد النور في يونانية I وباخريبة
في أسبانية.. الخ. ولقد كان أكثر ما يفتنهم منهن الشعر الأصفر( ٣٢ ). وقد
يعبث الشاعر بالقيم الدينية والقومية على نحو ما رأيناه من الشاعر محمد
عبد ا =طلب والشاعر التيجاني يوسف بشير.
وأخيرا فقد تنبهوا إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي حدثت في
اﻟﻤﺠتمع I من خلال تدفق وجداني متفجر I على أن الظاهرة التي شغلت
الكثير كانت ظاهرة الفقر I وكان الحديث عنها يدور حول ا =رارة والسخرية.
بل وعشق هذا الفقر I فالهادي آدم مثلا تعرض لظاهرة استجداء الطعام
من ركاب القطارات I وهي ظاهرة معروفة هناك I كقوله:
كم طويت الأرض ما ب l صباح وأصيل
وحملت الناس في ظهرك جيلا بعد جيل
جمعت فيك البرايا من أصيل ودخيل
قد جرى أبى خلفك في ا اضي الطويل
وأنا خلفك أعدو أبتغي »بعض الرغيف! «
قيل: أطفال Š ولكن أين أطفالك مني ?
لم اعد منهم وان قاربهم عمري وسني
هم دمي ترفل في النعمى فتشدو وتغني
وأنا خلفك أعدو ابتغي »بعض الرغيف ! «
167
التيار الوجداني
على أن ما يلفت النظر هنا هو الدعوى إلى rجيد الفقر I وخير من
eثل هذا الاتجاه التجاني يوسف بشير( ٣٣ ) I مع انه كان من الطبيعي أن
يتمرد على الفقر فهو مثلا في قصيدة »دنيا الفقير « يحسن الفقر ويزينه
للناس I على نحو قوله:
وما يبتغي فقراء الحياة
خزائنها خشية أن تضيع
ولا تزدهيهم ملاهي الوجود
ولا يطبيهم خداع الصنيع
ولابطر اﻟﻤﺨصب l الغلاة
ولا دعة العيش ربحا وريع
وما بهم عوز للطنا
فس أو حاجة للأثاث الرفيع
بحبسهم مسكة في الحيا
ة ماء ¢ير Š وعيش مريع
وخص على جانبيه الغلا
ل ¦زقة مشمسات الصدوع
.. فيا آهة ملء دنيا الفقير
ويا أنة ملء دنيا الوجيع
لأنت لدى الله أسمى وأنبل في
الأرض من بسمات الخليع !
وهو ح _ يقدم اذج عليا للرسل والفلاسفة يقدمها خارجة من أحضان
كوخ وفي ذراعي فقير كما في قصيدة الزاهد I ويقدمها مكدودة المحيا
عارية ا =ناكب كما في قصيدة قلب الفيلسوف I بل انه يرى أن الفقر يسمو
بالهوى كما في قصيدته هوى وفقر I ومثل هذه النبرة نجدها عند كثيرين
يجيء في مقدمتهم محمد ا =هدي اﻟﻤﺠذوب I ومحمد محمد علي I وجعفر
حامد البشير I وإدريس جماع.. الخ. ولعل وراء ذلك بعض مفاهيم الصوفية-
كالزهد-التي تدخل في صميم العملية الشعرية للشعراء السوداني _. وكالدعوة
إلى الاعتصام بالفقر خوفا من مفاسد الدنيا.
لقد كانت الظروف في السودان هي التي قذفت بصفوة من ا =ثقف _
168
الشعر في السودان
إلى عالم التأثير في الحياة وكانت وراء الثورة على كثير من التقاليد في
الحياة وفي الأدب وفي الفن I فقد كانت رغبة الناس في الحرية عارمة I
وكانت عندهم الرغبة في إظهار r» يزهم « على الآخرين I وأن من حقهم أن
يعاملوا معاملة خاصة بعيدا عن النفوذ الفعلي للإنجليز I والنفوذ الاسمي
للمصري I_ ولأمر ما نراهم في هذه الفترة يلحون في الالتفات إلى ما
حولهم I وفي نقل كل ما له عبير سوداني إلى دائرة الشعر I والخروج بقدر
الإمكان من القضايا العامة واﻟﻤﺠردة إلى قضايا معاشة I وهكذا eكن القول
بأنهم إلى حد ما أمسكوا بجناحي البيئة.. وبأجنحة كثيرة في العديد من
القضايا I لهذا كان من الطبيعي أن يهتدوا إلى قاموس شعري جمالي I والى
تراكيب تختلف بقدر الإمكان عن صرامة التراكيب القد eة I والى صور
جديدة I ووحدة موضوعية-ولا أقول وحدة عضوية لأنها لا تتحقق rام
التحقق إلا في الشعر ا =وضوعي لا الشعر الذاتي ا =تفجر العواطف-وانطلاق
مع الخيال I ولواذ بالطبيعة I وخلط للمشاعر بالصور I ومزج للأفكار
با =وسيقا.. ومن الطبيعي أن هذا سيغير وحدة الشكل عما كانت عليه من
قبل I وسيساعد عليه هذا العالم السحري-اﻟﻤﺨطوف البصر إلى السماء
والى داخل النفس-ا =سمى التصوف I والذي يجد له-أبدا-موئلا ومستقرا
في الذات السودانية.. ما يهمنا حقا هو التأكيد على أن الزمن في هذه
الفترة كان-أن صح التعبير-زمنا وجدانيا I وبخاصة في الفترة التي تلت
فشل ثورة عام ١٩٢٤ .
ثم انه كانت هناك التفاتة عميقة إلى الأدب ا =صري I فقد كانت كتابات
د. طه حس I_ وعباس محمود العقاد I ومحمد حس _ هيكل I وإبراهيم عبد
القادر ا =ازني I وأحمد حسن الزيات.. الخ تدخل في النسيج الثقافي
للشخصية السودانية I كما أنه كانت هناك التفاتة أقل عمقا =ا كان يصلهم
من أدب ا =هجر I وفي الوقت نفسه كانت هناك جماعة صغيرة استطاعت
أن تصل نفسها بالأدب الغربي.
على أن هناك ملمح _ لا eكن أن نغفلهما في هذه الفترة I وهو دور
الجمعيات الثقافية التي نشأت عقب فشل الثورة I والتي برز منها دور جمعية
القراءة التي تكونت في حي »أبو روف « بأم درمان I والتي كانت تقوم أساسا
على تلخيص كتاب عربي أو إنجليزي ثم مناقشته I أما ا =لمح الثاني فهو
169







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 10:46 AM رقم المشاركة : 44
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الأساليب الواقعية
=ا كانوا قد تخطوا مرحلة البحث عن الجذور I
ومرحلة تحقيق الذات I كان من الضروري أن ينظروا
إلى أشياء كثيرة خلفهم في غضب I وكان من
الطبيعي أن يتجاوزوا مرحلة »الوطن العاطفي « إلى
مرحلة »الوطن الواقعي « فالأحداث كانت تلاحقهم I
والزمن من حولهم كان يعدو عدوا سريعا I ومن ثم
رأينا البعض يقوم بهجوم مكثف على الأدب التقليدي
باعتباره أدب استرزاق ومناسبات وجهارة I و uاثلة-
فقد كان لهذا الأدب uثلوه-وفي الوقت نفسه
سخروا من هذا »التماوت الرومانسي « والإسراف
العاطفي الذي صبغ العديد من جوانب الحياة I ولقد
كانوا في هذا واقعي _ مع أنفسهم I فلقد كان الوطن
uزقا I والسياسيون يتلاعبون Qصائر الناس I
والأدباء إما راضون عن الواقع I أو هاربون منه !
ثم انه يجب ألا ننسى أن جماعة من الذين
خاطبوا الوجدان قد انصرفوا عنه أما لارتطامهم
بالواقع I وأما لارتفاع سنهم بحيث لم يصبح من
ا =عقول وقوفهم عند هذا العالم ا =موه بالعديد من
الألوان الزاهية.. فقد كان هناك لون واحد يصرخ
بالناس I و يذكرهم بالواقع التعيس من حولهم I وبأنه
لا مناص من الوقوف تحت رايات اجتماعية تحفظ
14
172
الشعر في السودان
على الناس كرامتهم وحياتهم I ولقد ى هذا الإحساس ظهور الأساليب
الواقعية في مصر بصفة خاصة I وكيف أن بعض الكتاب قد بدءوا يغمسون
أقلامهم في هذا ا =داد الجديد I ومن وراء مصر كان العالم يدوي بالحديث
عن الاتجاهات الاشتراكية I وعن الاتجاهات ا =وضوعية I وكان ازدهار العلم
يساعد على هذا كله I هذا بالإضافة إلى أن انتهاء الحرب العا =ية الثانية I
ورغبةالشعوب والطبقات في التحرر وتداعي بعض الأنظمة القد eة I وظهور
دور الكتلة الشرقية قد ساعد على دخول دنيا الواقع وا =عقول I ولعل uا
ساعد على ذلك أن السودان لم eر بالأطوار الاجتماعية التي تتعرض لها
الكثير من اﻟﻤﺠتمعات I وأن الفصل لم يكن حادا ب _ الطبقات هناك.. ر Qا
كان وراء ذلك دور الإسلام I و بساطة الشخصية السودانية I وتداخل الفقر
مع الغنى.. ا =هم أن الفقر كان سيد الحياة I ومن ثم كان من الطبيعي أن
يبرز دور الطبقة العاملة الفقيرة الكادحة I وأن ينبثق عنها بالضرورة من
يعبر عنها.
لقد بدأ الشعر أولا Qا يذكر بالواقعية الطبيعية I ذلك لأنه كانت هناك
موجات نقد طفحت على شعر الكثيرين I وقد كانت حلقة الوصل ب _ الاتجاه
الإبداعي والاتجاه الواقعي تتمثل-أكثر ما تتمثل-في الشاعر حس _ منصور
الذي أهمله الكثيرون »انه لا يهتم بالشكل اهتمام الرومانتيكي I_ ولكنه
يجنح فيه إلى بساطة مطلقة تكاد تقربه من روح الشعب وأحاديثه I وذلك
ليتحد هذا الشكل مع ا =ضمون في إحساس القار Ÿ لشعره بالصدق وعدم
تزييف الواقع I و يكاد يكون شعره من ناحية ا =ضمون »هادفا « إذ نحس فيه
التزاما قويا Qشكلات الحياة واﻟﻤﺠتمع الذي يعيش فيه.. فهو دائما يشرع
القلم ليشرح عيوبه I محاولا الوصول إلى وسيلة لإصلاحها( «(١ وهو قد
يضحي بالجانب الجمالي ولكنه يعرف كيف يصل إلى ما يريد ببساطة-قد
تكون مسفة-و بوضوح-قد يكون مبهرا-على نحو ما هو معروف من قصيدته
»ابتعاث البواعث « التي نقد فيها الإنجليز عام I١٩٢٧ وح _ هدده مفتش أم
درمان الإنجليزي تفجر في غضب في قصيدته التي عنوانها »توعد « والتي
يقول فيها:
تأكد يا بن وافدة البحار
بأني ثابت ثبت اليق l
173
الأساليب الواقعية
وان سلت على رأسي سيوفا
جنودكم ا زأبقة العيون
وسددت البنادق نحو صدري
وشدت لي الرباط على عيوني
وان هددت بالإعدام شنقا
وان علقت بالحبل الوت l
إذا هموا بتعذيبي وقتلي
صبرت على مقاضاة الديون
فأترك للكلاب دما ولحما
وأحفظ سا ا رأيي وديني
وعلى كل فهذا الروح الواقعي موجود بغزارة في ديوانه »الشاطئ
الصخري I« وان كنا يل إلى القول بأن الأسلوب الواقعي لم يكن غائبا في
الاتجاه _ التقليدي والإبداعي I بل eكن القول بأن هذا الأسلوب لم يغب
أبدا في مسيرة الشعر السوداني I ذلك لأن التيار التقليدي لم يكن محكما
كل الإحكام I لأنه لم يكن هناك استيعاب عميق للتراث العريق
ا =تماسك بسبب عزلة السودان عن العالم العربي من جهة I وللقرب
الزماني لحركة التعريب الصحيح فيه I ثم أن الحركة الوجدانية
كانت تتطلب نوعا من الترف النفسي والحياتي I ولقد كان هذا الترف
eس طائفة بعينها ولا يمس كل الناس I ومن ثم eكن القول بأن
الأساليب الواقعية كانت في صميم الحركة الشعرية السودانية في
كل ا =راحل( ٢) I وان كانت عملية »التميز « الواضح قد ظهرت في الفترة
الأخيرة.
والأسلوب الواقعي يظهر بوضوح عند عدد كبير من الشعراء يجيء في
مقدمتهم محمد ا =هدي مجذوب الذي عرف كيف eد ظله على كل التيارات I
والذي عرف الوقوف بتؤدة عند الواقعية I وأول ما يقابلنا عنده هو الحديث
عن الفقر لا من منظور rجيده-كما فعل التجاني يوسف بشير-ولكن من
منظور الضيق به I وأدانته في بعض الأحيان.. ومن قبل هذا تصوير الواقع I
فهو مأخوذ Qا ب _ الحي _ ا =عروف _ في الخرطوم »الحي العربي « و »الحي
الإفرنجي « من مفارقة I في قصيدة مشوار:
174
الشعر في السودان
سهرت و »الد «‚ طبل
إذا تهادى يقوم
راياته ليس تخشى
لوما.. ومن ذا يلوم
جهل وفقر وسكر
فيه الغنى العد ‚
فقر لز ‚ وحب
وأين مني الحبيب!
ولاحت الخرطوم
وجاء منها النسيم
أفوز منه بود
علي حينا يحوم
يرفع الأفق منها
نخل رشيق وسيم
»حتى الفرنجة « حي
وكم —وت »الديوم (×)«
وأجنبي مقيم
وفي قيد مقيم( ٣)
و يلح عليه هذا التناقض الذي يلاقيه في ا =دينة كما في قصيدة »في
الخرطوم :«
حييت بنتا من الإفرنج فارحة
مع الصباح ومرت لا تحييني
.. أني من »الدامر « السمحاء دوخني
هذا الترام حمارا غير مأمون
فيه ارتدفنا وقوفا ثم جمدنا
ذاك التأله من سواقه الدون
وكم أروح إلى الطباخ يخدعني
صياحه بطبيخ غير مسمون
175
الأساليب الواقعية
من لي »بكسرة « خالاتي وما يبست
فيها القواديس في أحجار طاحون
كنزى قلادة —ر عدها مائة
معسولة كعيون الخرد الع l
وقرعة حلبوا فيها وأعجبها
رغويفور على زهو يناديني
.. أبغضت حذلقة الخرطوم سوف ترى
يوما يجيء بجزار وسك l( ٤)
وهو يقرر شيوع ظاهرة الفقر:
خسرت وما أسفت معي رفاق
على فقر نكابده مشاع
وإذا كان محمد ا =هدي مجذوب قد ركز في شعره على ظاهرة »الجرادل «
قبل إدخال مشروع اﻟﻤﺠاري( ٥) I فان الناصر قريب الله ركز على براميل
القمامة التي كانت تلقى في إهمال:
أقمت بحيي ب l قومي إقامة
أشاهد فيها كل يوم مصارعي
أشاهد سكانا وحول عيوبها
معائب أعيا فتقها جهد راقع
وأسود كالليل البهيم تذيلت
به وهو مبتور جنوب الشوارع
يسمونه »البرميل « ما فيه رحمة
سوى أنه بالحي ركن الفظائع
—ثل كالشرطي بالليل لائذا
بركن جدار من أذى البرد مانع
لكل متاع في حشاه بقية
تلقفها من جسمه بطن جائع!
.. كذلك يحيا الشعب أن كان دافعا
ضرائب أو من فقره غير دافع
176
الشعر في السودان
فكيف تراه تستقيم عقوله
وهيكله في الأرض أضيع ضائع?
وعلى كل فالحديث عن الفقر يغطي أكثر الدواوين I وقريب من هذا
يقال عن ا =رضى( ٦) I وعن اذج جديدة يقال فيها الشعر كضاربة الودع I
وأم الأحاجي I والحلاق I والشيخ برغوث I وماسح الأحذية I و بائعة الفول I
وما أكثر ما نجد قصائد تحمل عناوين مثل: الفقر الأبله I بستان فقير I
والبيوت وا =قابر I إلى أطفال ا =ساك _. الخ وإذا كانوا قد ركزوا بصفة خاصة
على الفقر في »الجنوب « فانهم ركزوا كذلك على »الشوارع الخلفية « في
ا =دينة حيث توجد بائعات الهوى I وحيث تسمى الواحدة »كتكوتة I« وقد قدم
محمد ا =كي إبراهيم ترجمة باطنية =دينة الخرطوم في تلك القصيدة التي
عنوانها »أصيح للخرطوم في أذنها .«
منذ اللقاء الأول
غرزت في لفات شعرها ا هدل
أصابعي وقلت: أنت لي
عشيقة أم
وح l فاتني الصبا
أسميتها بوهيميا ا هذبة
وأصبحت تبوح لي
بسر عينيها الكبيرت l
.. سيدتي هأنذا أريح رأسي
فوق فخذيك القويت l
أخلع نعلي لكي أنام
أغمض جفني-معا-لكي أنام
فلتطعميني لحمك الطيب في الأحلام
ولتمنحيني عفة البكر-وليس عفة الكلام-
ولتحرسيني من عواء الباعة المحوم l.. واللصوص
.. صغيرة لا —لأ الكف.. ولكن متعبة
ريفية ما نصل الخضاب.. من أقدامها اﻟﻤﺨضبة
خائنة وطيبة
177
الأساليب الواقعية
ومثل عاهرات الريف لا تبسط كفا للثمن
- تتركه يندس في الصدر وتحت ا رتبه-
.. الله للشاعر وا فلس والصعلوك حينما
تضمهم دروبها في آخر الليل.. مشردين
تعبس في وجوههم مآذن الله
ومهرجان الكذب ا ثقل بالنيون
تصيح أبواب البنوك: اقبضوا عليهمو
تصيح أبواب الحوانيت: إلى الوراء
وتركل العمارات البديعة الرواء
ضلوع أحبابي ا شردين
.. وفي العشيات.. وإذ أسير دون أصدقاء
تخرج لي لسانها الطوابق العليا.. ويرقص البناء.. كيدا
وسخرية
.. حدثني الكهان واﻟﻤﺨنثون.. أن وراء صمتك الحرون
تغرغر الأنهار موسيقا وتنبع العيون
وأن عا ا من الروعة لا تدركه الظنون
تخبئه أعماقك النذلة للمقرب l
للتافه l من عشاقك ا قرب l
تحدثوا حتى أثاروا حسدي
وتعرف l أنني وراء لحظة من النعمة فوق جسد
أبيع للمضارب l.. مسبحتي وولدي
.. ماذا تخبئ l لي خلف السدوف ا طبقه ?
وبعد هذه اللفحة من سمائك المحترقه
ماذا تخبئ l لي ?
وما الذي تخبئ l عني ?( ٧)
في ضوء هذا eكن القول بأن الشعراء الواقعي _ قد أدانوا ا =دينة I
وخافوا منها I وقدموا شرائح ساخنة من الحياة داخلها I مع ملاحظة أن
أحدا لم يتعاطف مع الجانب الطيب منها I فالخرطوم لم تصبح وردة وحلما
كما كانت عند شعراء العاطفة I وإ ا تحولت إلى عالم من الرعب والخوف
178
الشعر في السودان
والقسوة ! وكعادة السوداني _ ح _ يتركون الوطن يذوبون وجدا وهياما I
وينخرطون في حالة من حالات الوجد الصوفي-الكامن في الأعماق-مع
ملاحظة أنهم لا يزيفون صورة ا =دنية I ولكنهم يهيجون عواطفهم بطريقة
مثيرة I على نحو ما فعل محمد ا =كي إبراهيم ح _ صور الزمن الذي تقطعه
الطائرة إلى الخرطوم بعد غربة.
في جميع ا طارات.. ب l الحقائب والنوم والانتظار
عبر تلك الدهاليز وا كرفونات.. عبر وجوه ا ضيفات
.. كان قلبي يذكرني أننا منك ندنو.. وتدن l منا مع كل ثانية تستطار
كان قلبي يذكرني أن بعض ا سافة بيني وبينك يلغى
وأن مساحات من زمن الوجد تسقط خارجة من شقوق النهار
وأن ا واعيد بيني وعينيك تزداد قربا فأزداد حبا Š وأحتمل
.. ثم فكرت-للمرة الألف-فكرت Š من بعد أن نصل القاهرة
لا يعود سوى ساعت l من الوجد Š ألقاك بعدهما في ا طار
هل أقبل كفيك ? أم أ —رغ في رمل نهديك ? أم أكتفي بالتحية والانبهار?
هل أعانق فيك رجال الجوازات ? أخبرهم أنني منذ أعوام Š لم أتنفس
بعض هواء الوطن
وأني حلمت بخضرة ألوانهم في جميع ا طارات Š ب l الحقائب والنوم
والانتظار
أم أخلي لتلك العيون ا دربة العارفة أن تخمن أسباب عودتنا للوطن ?
ساعتان وتنزل أرض ا طار
ساعتان من ا وت والبعث والانهيار
ساعتان من البطء ’كن وضعهما في إطار!
.. طول ليلتنا في أزيز المحرك والطائرة كان محياك يبدو لعيني
فيختلج النوم ب l الحقائب والانتظار
ويفتح بابا من الوصل Š كالجذب عند صغار الدراويش Š أو كالتواصل
ب l الكبار
فأبعد أشجارك الجاثمه
وأسمع أنفاسك النائمة
ولغو الأحباء في كل دار
179
الأساليب الواقعية
وأشعر أن يدي تغوصان ب l جدائلك ا رسلة
وعيني —تلئان بألوانك ا ستهيجة والذابلة
كم أرجع ألقاك واقفة في ا طار
طفلة في ا دائن Š سيدة في القرى Š يغضب الصيف فيها
وتجلدها الشمس كالزاجره
كم تأتي الأماسي ساعية بالنسيم الخفيف تطيب خاطرها
و —سح عن وجنتيها الغبار!
.. قل لتلك العيون ا ليئة بالوجد تنتظر القادم l
أن هذا ا طار اﻟﻤﺨبأ في قلب أفريقيا من جميع ا طارات يعرفني جيدا
من جميع ا دارج يؤ ني البعد عنه ويسكرني ا شي فيه
إلى صالة العابرين Š وعبر رجال الجوازات Š نحو أحباء مستقبل l
وعبر زهول الوصول
لخرطوم تنهض من نومها.. تستفيق
أحس بأن العيون الكبيرة سوف تزاحمنا من جميع النواحي
وتأخذنا في الطريق
وأن إسارا من الحب
يبدأ من حيث لم ينته( ٨)
فالشاعر هنا لم يزيف صورة الخرطوم I وإ ا عبر عنها ببساطة I وبحس
محلي I وبصور بصرية سارة I ومزج ب _ عدد من ا =كونات التي قد تكون في
الأصل متنافرة I ولكنها في القصيدة تدور حول قطب جاذب مثير هو مدينة
الخرطوم I وقد وفق ح _ حول الكلمة-باعتبارها صوتا-إلى حركة I وقد كرر
هذا في قصيدة بعنوان »قطار الغرب «.. ا =هم أن الأدب الواقعي لم يزيف
صورة ا =دينة I وأن مدينة الخرطوم مدينة لها شخصية متفردة رغم فقرها I
واختلاف الأجناس فيها I ورغم الحزن الذي يفشى-كالغبار-بعض ملامحها
التي لا تبتسم إلا بقدر!.. ومع أنهم لم يغفلوا الكتابة عن العالم خارج ا =دن I
ومع إعجابهم بشخصية الفتى »ا =هجاري « الذي يذكر بصعاليك العرب( ٩) I
إلا أن ا =لاحظ أن الذي أثرى هذا الجانب كان صلاح أحمد إبراهيم I فقد
التفت إلى العذاب الذي يعانيه الفلاحون I وبخاصة ح _ حاول بعض مزارعي
مشروع »جودة « التأكد من أن ما يعطونه من أثمان القطن صحيح I فكان أن
180
الشعر في السودان
زجت السلطة Qائت _ منهم في مكان ضيق I بحيث لم يصبح عليهم الصباح
إلا وهم موتى.. وكان أن صرخ الشاعر في قصيدة منها:
لو أنهم.. حزمة جرجير يعد كي يباع
لخدم الإفرنج في ا دينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة
وبان فيها الاصفرار والذبول
بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة
وبللت شفاههم رشاشة صغيرة
وقبلت خدودهم رطوبة الأنداء
والبهجة النضيره !
لو أنهم فراخ
تصنع من أوراكها الحساء
لنزلاء الفندق الكبير
لوضعوا في قفص لا ’نع الهواء
وقدم الحب لهم وا اء
لو أنهم..
لكنهم رعاع
من الزريقات
من الحسينات
من ا ساليت( ١٠ )
نعم رعاع
من الحثالات التي في القاع
من الذين انغرست في قلوبهم براثن الإقطاع
وسملت عيونهم مراود الخداع
.. وفي ا ساء
بينما كان الحكام في القصف وفي السكر
وفي برود ب l غانيات البيض ينعمون بالسمر
كانت هناك
عشرون دستة من البشر
181
الأساليب الواقعية
—وت بالإرهاق
—وت باختناق.
وقد نجح صلاح أحمد إبراهيم في تقد G اذج من البسطاء في
السودان I وهي غالبا اذج فقيرة مجهدة I وقد يتعرض لكتلة بشرية
كقوله:
كل فتى كالحبشي الحي في انطوائه Š حتى إذا ثار طغى فأغرقا
وكالبشارى يقوده الصغير با عروف Š إما اغتاظ دق العنقا
أعرفهم الضامرين كالسياط Š الناشف l من شقا
اللازم l حدهم Š الوعرين مرتقى
أعرفهم كأهل بدر شدة Š ونجدة Š وطلعة Š وخلقا
وقد يتعمق في واحد من قبيلة الهدندوة بشرق السودان اسمه »أوشيك I«
بحيث يجعلنا نتعاطف معه I ونلعن الظروف التي ولغت في دمائه I وفي
عرض ابنته I ونعجب في الوقت نفسه لأنه حول كل هذا الحزن إلى »دراما
صغيرة .«
» أوشيك « دون أن يكل يرصد الآفاق
من دغش الصبح إلى انحباس الضوء في السماء
مفتشا عن غيمة فيها سلام ا اء
يرفع ساقا ويحط ساق
كوقفة الكركي في ا ياه
مرتكز الظهر على عصاه
أهلكت اﻟﻤﺠاعة الشياه
دبايوا( ١١ )
يفتل من ساعاته الطوال
حبال صمت تافه حبال
ويرقب السماء
لو أنها تعصر في لسان أرضه قطرة من ماء
لو أنها تبلل الرجاء
أهلكت اﻟﻤﺠاعة الشياه
لو يرحم الإله
182
الشعر في السودان
زوجته ذات الزمام الضخم وا لاءة الحمراء
قضى عليها الداء
فزفرت أحشاؤها دماء
وفوق صدرها »أوهاج ١٢)« ) مثل هرة صغيرة عمياء
’د في غرغرة الذماء
يدين كالمحارت l للأثداء
.. وابنته »شريفة «
جاءت إلى ا دينة القاسية اﻟﻤﺨيفة
تقدم التفاح للرجال
لكل من جاء من الرجال
رائعة رائعة.. يقول لي صديق
يانهدها استقل Š كاد أن يطل من ثيابها الرهيفة
وهي تضوع بالشذا Š —وج كالقطيفة
—وء بالحروف مثل قطة أليفة
»يا سمسم القدارف ١٣)« )
تقدم البيرة واللفائف
والطشت والإبريق
ترفع أو تخفض ا ذياع
حتى إذا أنهكها الإمتاع
أطفأت مصباحها بعد انتصاف الليل
مر على خيالها »أوشيك «
وشعره الوديك
كأنه شجرة الزقوم( ١٤ )
ولأمر ما أكثر الشعراء من الحديث عن »الاستسقاء « وكيف يعتصر
الجدب الناس I ويهلك مواشيهم وزرعهم I فيفزعون إلى »صلاة الاستسقاء «
ا =عروفة إسلاميا I بل قد تكتب عن عمد في لهجة وثنية( ١٥ ).
وعلى كل فقد تعمد البعض تقد G جوانب »تسجيلية « للحياة السودانية
من غير تزويق I ولعله يجيء في مقدمة هؤلاء الذين اهتموا بهذا الجانب
جعفر حامد البشير ومحمد ا =كي إبراهيم I ومحمد ا =هدي مجذوب I فنحن







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 10:47 AM رقم المشاركة : 45
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

اقعية
نرى لوحة واقعية بعنوان قرية قمراء:
»دلوكة « في الليل ترتعد
بكت Š وأرسل شجوه الكمد
مجنونة نفضت أضالعها
وتكاد في أجلادها تقد !
.. ويغص من آهاتها »الشتم «
شحج الرن l يكاد ينقصم
متربص بالرقص يصرعه
ويدق فيه كأنه قدم...
.. في ليلة تختال في القمر
وظلالها يبرقن كالحور
تسري عذارى الحي في نسق
ربذ الخطى متشوف الخفر
.. ساروا وللصبيان تصفيق
والآنسات لهن تحديق
نظر ولا نظر نلوذ به
في كل ومض منه تشويق
.. ومن البخور علت حويات
في أعيني منهن آهات
في دارة لا البؤس يشغلها
درجت عليه ولا ا نيات
.. رقصت مع الأحلام عذراء
وبرقصها للحب أنباء
تكني Š ونعلم كل خافية
وقلوبنا لهف وإ ’اء
.. ويهيج بالفتيان »شبال «
والى حنان عبيره مالوا
والسوط يأكل ظهر مبتدر
وجراحه وجد وتسأل
184
الشعر في السودان
وتعارضوا كل بعكاز..
يهوى به ويطير كالبازي
»طمبورهم « في الليل ذو رهج
كالخيل هاج صهيلها غازي
.. وسها ومال بأفقه القمر
وكأنه قد شفه السهر
وتنادت الأوتار في لهف
متعجل والحي منبهر
.. وتفرق السمار أحادا
كل إلى أشواقه عادا
مد ا نام بعاد هاجره
والشوق يحمل طيفه زادا
.. والحي ب l رماله رقدا
والنخل أخضر سعفه وقدا
يتوسد الأطلال نائمة
غفلى تخال سكونها الأبدا
.. وا اء دون الجرف نعسان
شادوفه ا عروق سهران
عبد يوتر جسمه حذرا
يحنيه فوق الجرف إذعان
.. والقرية القمراء كالخبر
ومكانها غبراء في ا در
بدوية مسحورة رقيت
لتفيق من أحلامها الأخر( ١٦ ).
وتأمل قول محمد ا =كي إبراهيم من قصيدة طويلة قدمها على صورة
»سيناريو سينمائي « مليء بالصور ا =تتابعة I وا =تناغمة:
ريحاكم ماسخة عجوز
في بلدي تعطر الهواء با ديح
185
الأساليب الواقعية
روائح الطعام والضيوف من بيوتنا تفوح
والجارة التي يرف بالشباب وجهها الصبوح
... الآن أستطيع أن أراه
قصعة من الحليب Š زهرة تعيش موسم اللقاح
—وت إذا يدركها الصباح( ١٧ )
على أن من الواضح أن هذا الأسلوب قد ركز على ا =فاسد الاجتماعية I
ووقف طويلا عند الفروق الطبقية وبعض القضايا الغيبية I والاصطدام
بالسلطة I والتبشير بالفجر القادم وبصفة عامة فقد عبر صلاح أحمد
إبراهيم عن طريقتهم في الكتابة-من خلال كلامه عن نفسه-على حد ما
نعرف من قوله في غضبة الهبباي:
أركب ا وقف من لا شيء Š أولج ا عقول في اﻟﻤﺠهول Š أجمل الحياة
بالرمز
أضيف بوم الليل بالأصداء.
¦لكتي Š صولجاني الكلمة Š مقعدي الحكمة Š جيشي الإصغاء Š
غابي الأقلام Š طبلى الطروس Š أقنعتي الأفعال والحروف والأسماء.
الشعر-شغلي-فكرة وألم وعمل منظم لا حلم Š
خطة لا صرعة Š
لا هاتف يهتف في إغماء
.. من قال أني مزين للغانيات-كنزار-إصبعي يسيل بالدهان
والعطر
أعد قصة الوسم باعتناء
أرزح بالقصيدة مثل من ينشل من أعمق بئر في »السباغ « دلو ماء
أفلق هام الصخر كي أنحت فيه سلما يطلع للروعة في بتراء
أنا صلاح الشاعر.. في تواضع جم Š وفي حب Š وبانحناء
وبصفة عامة فقد سار في هذا الطريق عدد من الشعراء يجيء في
مقدمتهم محمد ا =كي إبراهيم I وكجراي I وحسن عباس صبحي I وعبد الله
شابو.
وا =لاحظ بصفة عامة أن هذا الجيل لم يتغن بحرارة للعروبة كما تغنى
بها التقليديون والوجدانيون I فقد كانت أحاسيسهم تكاد تكون وقفا على
186
الشعر في السودان
الشعوب التي تناضل بشراسة من أجل حقها I ومن ثم كانت لفتة صلاح
أحمد إبراهيم إلى الجزائر I وكانت لفتة كجراي إلى الجزائر وفلسط _( ١٨ )
ومحمد ا =هدي مجذوب إلى دير ياس I_ وقدموا أكثر من التفاتة إلى مصر I
وفي ضوء هذا كان اهتمام بالدول التي تقاتل بعض uثلي الرأسمالية
كفيتنام I وكان هناك زعيق يجرح الشعر.
ليسقط الحديد
والطائرات السافله
لتنتثر على ثرى الفيتنام
أمام نارها ا قاتله
وليصنع الأعزاء من الحطام
أساورا وحلية لفيتنام( ١٩ )
وبالطبع كان هناك تعاطف مع الشعراء الثوري I_ ومع كل الذين يقفون
إلى جانب الإنسان I على نحو ما فعلوا مع الشاعر »لوركا « وا =ناضلة »شيري
أسكوت ٢٠)« ).. على أن الوقفة العميقة التي شكلت بعمق هذا التيار كانت
الوقفة مع أفريقية I ولقد عبر هذا الطريق من قبل-مبتدئا بالجنوب السوداني-
محمد ا =هدي مجذوب I وقد وجد نفسه متعاطفا مع الزنج عل العرب I فمع
أنه في ديوانه الأول كان يكتفي بعشق الفطرة عند الزنوج I وكان يقول:
ومللت من شعر الأعارب ما به
إلا مهانة شاعر يتقرب
طبل أدق به وما في رجعه
شيء سوى أني أصيح وأصخب
وركبت في صبح الطفولة ناقة
عمر على شرفاتها يترقب
وأناخها فتحطمت مقهورة
فوثبت أحذر مرجلا يتلهب
.. عرب وما سمعوا بسيرة أحمد
وسألت آدم هل أبوهم يعرب
وقفوا على وجه الحضارة زاهيا
وتعوذوا من حسنها وتهيبوا
187
الأساليب الواقعية
جعلوا القصور أثافيا وأراحهم
طلل Š وتسأل عليه مخيب
فطروا على الجدل العقيم سيوفهم
بكلامهم في مسجد تتوثب
وسلاسل الأنساب حول رقابهم
تروي كما يروي القصيد وتكتب
دقوا شفاه بناتهم لم يشفهم
وسم الشلوخ ولا الخفاض ا رعب
.. كتبي تنام على الرفوف جلودها
عربية وبها القد ‚ الأجرب
السوق يوم السبت فاسع لبيعها
وصديقك الحذاء فيها يرغب! ( ٢١ )
وقد كان من الطبيعي أن يلتفتوا إلى أفريقية فهي داخلة في صميم
وجودهم I وهي تعاني uا يعانون I ولقد كانت قضية »اللون « تعذب الكثير
منهم ح _ يحتكون بالعالم الخارجي I لهذا رأينا ما eكن أن يسمى عند
بعضهم »بالرؤيا الأفريقية «
الليلة أفريقيا فتحت دغلا
فتحت دربا
أخذتني بالأحضان
هذا مجد الإنسان
أن يأكل قبل ا دخنة
ويصفر قبل القاطرة
وينام على قلب أخيه الإنسان
أتلمس في الأدغال وفي صحراء البهو معا ها
أتلمس لا ألقي الأحبات مسابحكم
.. سبحان الحكم الطيب فوق مداخل أفريقيا !
وأفريقية عند الكثير فردوس مفقود وعالم من البراءة والنقاء يجب أن
ترفع عنه الأحزان وا =آسي I ولهذا تختلط عند البعض بالشعر I وبالحلم I
وبالفرح القد IG والسعادة ا =ولية I ولهذا فغناؤهم الحار يكون =ا يسمى
188
الشعر في السودان
»أفريقية الأولى « أما أفريقية الآن I فهم من خلال نظرتهم الواقعية لا يغفلون
عن تأخرها I وفساد بعض أنظمتها I وقصورها عن اللحاق بالآخرين I وأكثر
ما تظهر هذه الصورة في تلك القصائد التي كتبها محمد ا =كي إبراهيم
بعنوان »زنزباريات I« وانظر مثلا إلى جزء من قصيدة طويلة بهذا العنوان:
.. ثم تسلق النهار
ربوتنا والدار
خذنا إذن لزنزبار
حيث يظلل البهار
مراقد المحب Šl وحيت ننتشي
برغوة البحر وبالعنف Š وبالأشجار
الجذوة الأولى
خذنا إلى الرغوة والعقيق
حيث يغرد البحر ويسكن الخليج
وحيث تستفيق
تحت غلائل السحب-ا عبأة بأنعم الرحيق-
أفريقيا الأولى
.. أيتها العواميد من النعومة السمراء
أيها القباب ا صلتات للريح وللأنواء
أيتها الحقول ا رضعة
أي القوافي Š أ ’ا مشيئة مروعه
تخرج من أثدائكن يا نساء
أفريقيا السوداء
يا أمهاتي. يا حبيباتي Š وأ ’ا شتاء
لم نطلب الدفء على صدوركن( ٢٢ )
وإذا كان محمد ا =كي إبراهيم قد ذوب السودان في أفريقية في عدد
من قصائده I فان صلاح أحمد إبراهيم قد حاول تذويب أفريقية في السودان I
فهو على حد تعبيره يضع على خدي أفريقيا.. الشلوخ السودانية I وهو يرى
أن حرية بلاده حرية لكل السود:
ا ارد ح l تحرر.. حرر من قهر
189
الأساليب الواقعية
فاطمة البنت السمحة
وأخاها البله-كاليبار-أخاها ا ضطهد الأسود
وهو eد يده فيغترف من الأدب الشعبي هنا وهناك:
أواه.. يا أفريقيا من ليلك ا ديد
تأخر الفجر وكنا على ميعاد
تأخرت فرحتنا بالعيد
لو أننا قذفنا الرب في الدأماء
حل علينا الخصب في موسمه الجديد
لكنه-الرب ا سيخ-عاد
من قبل أن تبلعه الدأماء( ٢٣ )
وبصفة عامة فقد كانت أفريقية عند الكثيرين حلما من أحلام البراءة
والنقاء على حد ما مر بنا بصفة خاصة من شعر محمد ا =كي إبراهيم
وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد ا =هدي مجذوب I وفي الوقت نفسه كانت
عند البعض طبولا وعنقا على حد قول مصطفى سند.
الطبل حمى الطبل في رأسي
شراي l تفح بلا انقطاع
.. غنيت للسود الغلاظ Š وللعبيد Š وللرعاع.
وبصفة عامة فقد مزجوا »مشكلة الجنوب « Qشكلات أفريقية I وطرحوا
عليها أصواتهم الهامسة والغليظة I وأكثروا من الأحاديث حول أبطالها-وما
أكثر القصائد التي دارت حول لو uبا-وأفراحها-وهي قليلة-وأحزانها-وهي
كثيرة-وبخاصة ح _ كانت مشكلة اللون rس بعضهم I فقد كانوا يتفجرون
بالغضب وبالهياج
إذا كنا قد وقفنا عند الأساليب الواقعية التي تفجرت أساسا من الداخل I
فان الصورة لن تكتمل إلا إذا تعرضنا لهؤلاء الشعراء السوداني _ الذين
تركوا وطنهم وعاشوا في القاهرة على وجه الخصوص I فقد نجح عدد من
الشعراء في تحديد قسمات خاصة بهم من خلال التيارات الواقعية التي
نضجت أساسا على نيران مصرية I ولم تنس في الوقت نفسه الالتفاتة إلى
السودان I ولعله يجيء في مقدمة الذين شكلوا هذا الاتجاه الشاعر حس _
منصور فهو لم يركز على الشكل تركيز الوجداني I_ ذلك لأن تركيزه الواضح
190
الشعر في السودان
كان على الاقتراب من روح الشعب ومن لغته I وعلى ما هو في صالح هذا
الشعب I ولهذا حارب أعداء الشعب البارزين كالإنجليز I وأعداء الشعب من
هؤلاء ا =عوق _ =سيرته I ولهذا اتسعت دوائر نقده I ولم يقف أمره على
السودان وإ ا نراه قد =س أشياء كثيرة في مصر I على نحو ما هو معروف
مثلا من حملته على جماعة أبولو الذين وصف أغلبهم بالغثاثة I وعلي احمد
زكي أبو شادي الذي وصفه بالسماجة I وهو صاحب القصيدة ا =شهورة
التي عارض بها قصيدة شوقي التي قال فيها:
أبولو مرحبا بك يا أبولو
فانك من عكاظ الشعر ظل
لقد قال حس _ منصور:
ألا لا مرحبا بك يا أبولو
فقد بدأت بك الفصحى تشل
أضاف بك المحرر فضل سخف
يضاعف سخفه طول ¦ل
وكان يقال إيجاز مخل
فصار يقال إسهاب مخل
به قلبت حقيقة كل لفظ
وأضحى الشعر لغزا لا يحل
ويبدو أنه كان وراء هذا كراهيته للوجدانية ومن eثلها على نحو ما نرى
من هجومه على أحد أركان هذه الجماعة I فقد قال في شعر إبراهيم
ناجي:
يزهدني في شعر ناجي وفنه
تعابير للدكتور ملتويات
وآهاته اللائى ملئن أنوثة
تسيل وفي آثارها العبرات
قصائده في الحق عندي هياكل
¦ددة —شي بها العجلات
به اصبح الديوان شر عيادة
تضيق عن ا رضى بها الصفحات( ٢٤ )
191
الأساليب الواقعية
ولم يسلم من شعره الشاعر أحمد شوقي I بل لم تسلم منه حتى العمارة
في مصر:
ناطحات تهامست في انفراد
في فضاء يطل فوق الفضاء
يبصر ا رء أصلها لم ينسى
لارتقاء العيون بعد ارتقاء
ساءني أن اقرأ أسماء بهلير Š
ودوبريه..في زوايا البناء
وبصفة عامة فقد كان يرى الأشياء على حقيقتها في السودان وفي
مصر I بل لقد وسع نظرته إلى الواقع الحزين الذي كانت تعيشه كذلك في
هذه الفترة-كما في قصيدة كذبة-العراق I والشام I والحجاز I وقد كانت له
وقفة ذكية عند لغة الضاد I على نحو ما نعرف من قصيدة له جاء فيها:
قياما قياما مع القائم
فلا عيش للنائم الحالم
وهبوا لها إنها فتنة
أثيرت سفاها على العالم
ولست ‘ثن على احمد
ومفتي الديار Š ولا الجارم( ٢٥ )
إلى أن أرى ثورة حقة
ترد الأصول إلى آدم
وتجمع في القطر أجناسه
على لغة الضاد.. لا الحاكم
وما يهمني منه هنا هو تصويره حياته في مصر في أسلوب مباشر
مبتسم:
قد أراد الله شيئا لم أرده
فرماني في الذي زعزع أمني
في بنسيون ليونانية
أرملة قد مات عنها »خر —ني «
192
الشعر في السودان
نصف خياطة —لأ أذني
كل يوم بحديث صم أذني
كله شكوى Š وتكليف به تلزمني
من غيران تلزم حضني
تطلب الخرقاء أن أبحث مهما لها عن ساكن رضى بخن
حجرة مرطوبة مظلمة ’لؤها الناموس أفواجا يغنى
حسبي الله أماني عمل غير اصطفاقي بيدي صفقة غ ¥
لم أزل اذكرها قائلة تبعث عطفي »يا حبيبي أنت ابني ! «
ويبدو أنه عاشر في مصر تلك الحركات الحاسمة للتجديد في الشعر I
بل لقد قفز على بعض هذه الاتجاهات فقد كتب في عام ١٩٣٤ قصيدة
eكن أن ينطبق عليها مصطلح »قصيدة النثر « كما أن له محاولة في الشعر
الحر عام » ١٩٣٤ والحقيقة التي ينبغي أن تسجل لحس _ منصور باعتباره
رائدا من الرواد الأوائل لحركة الشعر الحر I أنه كان يفهمها حق الفهم I ذلك
لأننا لو رجعنا إلى »سطوره « ولا أقول »أبياته « في القصيدت _ لوجدناه
مدركا لحقيقة ارتباط الجملة الشعرية با =عنى I وبالأداء النفسي ارتباطا
وثيقا I دون اعتبار لطول بعض الفقرات وقصر بعضها الآخر I فهناك uاثلة
للإيقاع مع الفكرة Qعنى أن الإيقاعات ا =وسيقية تساير الانفعالات في
الأبيات فتعلو نغمتها ح _ تشتد هذه الانفعالات I وتخفت حينا ح _ تهدأ I
كذلك استخدم الأسلوب الرمزي الذي يعتمد إلى حد كبير على التعبير
الأسطوري ببراعة في قصيدته الثانية »هأنذا « التي كتبها بعد وصوله إلى
مصر ٢٦)« ) وما نريد أن نؤكده هو أنه عاش ا =ناخ الشعري الذي كان سائدا
في مصر I وأنه جرب-مع من جرب في هذه الفترة-ولكن تجاربه في هذا
اﻟﻤﺠال قاصرة I وضحلة I فهو يخلط ب _ البحور I ولم تهده فطرته إلى البحور
ذات التفاعيل ا =وحدة I و يتعامل بغزارة مع الزحافات والعلل uا يخرجه
rاما عن قضية الإيقاع I بل لقد كان يتجاوز هذا كله إلى نثرية دميمة I
ولنتأمل قصيدة »تشييع « التي لا نراها محاولة رائدة في الشعر الحر I وإ ا
هي شيء خارج rاما عن دائرة الشعر:
إليها
إلى النار
193
الأساليب الواقعية
ولا تخش أو تفرق
فمه بعد أن تحرق
وما هي أقسى من حياة قضيتها
تعالج في أصفادها وتئن
أن l الثكالى أفردت من عميدها
ومن كل ذي قلب لهن يحن
أيها الأخ
كل صحبك
كلهم سروا للخبر
فهو حقا نعمى تسر
و —نوا أن يلحقوك سراعا
والى النار أو إلى غيرها
وتنادوا أن لا عذاب على الناس كمر الحياة أو مرها
ما نريد أن نؤكده أنه اقترب بصفة خاصة من الناس ومن الحياة في
القاهرة ومن حركات التجديد.. ( ٢٧ ) I ثم بعد ذلك تعرف مصر خطوات عدد
من الشبان يجيء في مقدمتهم جيلي عبد الرحمن I وتاج السر الحسن I
ومحيى الدين فارس I وحسن صبحي-بالإضافة إلى محمد الفيتوري-الذي
كان يقيم في مصر وقد عاشوا جميعا في الخمسينات I وتعاطفوا مع الواقعية
الاشتراكية بحكم ظروف الفقر التي كانت تحكم حياتهم I وانبهارا بهذا
الاتجاه الذي كان يستهوي الشباب بعد توقف الحرب I فقد كان هؤلاء
الشبان راغب _ في تغيير حياتهم I وفي تغيير ظروف الحياة من حولهم I ومن
ثم رأيناهم يوغلون في هذا الاتجاه على مستويات I فهم جميعا قد أسهموا
في تقد G الواقع الكريه الذي كان يحيط بهم I وهم جميعا قد تغنوا بالعدالة
الاجتماعية I وبانتصارات الشعوب تحت رايات الثورات I وبالأمل في التغيير I
وقد وقف وراءهم بعض النقاد الذين eثلون هذا الاتجاه ( ٢٨ ) مشجع _
ومبشرين بشعر جديد يولد من معاناتهم الحقيقية I فتحملهم =سئولية الشعر
الجديد هو في الوقت نفسه تحمل لأوضاع اجتماعية جديدة I ومعاناتهم
التي لا تنتهي ستؤدي بهم إلى استحداث أشكال فنية جديدة I ولهذا رأيناهم
ينحازون إلى الشكل الجديد بلا تردد I ورأيناهم يبتعدون عن ذاتهم ليلتحموا
194
الشعر في السودان
بالناس و Qشكلاتهم I ومن ثم توالت أعمالهم في زمن موحد تقريبا I وهي
بصفة عامة كانت تغني للكادح _ في كل أنحاء الأرض وتتحدث عن سوء
توزيع الثروة I وتتعاطف مع الشعوب ا =ظلومة وبخاصة الشعوب الأفريقية I
وتقدم الواقع الكريه الذي كان يسيطر على الناس من حولهم.. لقد كانت
نبرتهم عالية في أول الأمر على نحو قول تاج السر في قصيدة ثورة:
وكأني والشعب في ثورة النصر دماء تسقي الربى ا قهوره
وكأن الدماء تكتب للتاريخ حرية القوى ا أسوره
وكأن الثوار قد ظللتهم نفحة من حياة أمس ا ريره
ح l نادى فتى من الشعب: هيا أن ¢ت نبعث الحياة الكبيره
ح l مات الجدود تحت حذاء الظلم تحت الحوافر ا غروره
وكقول محيى الدين فارس:
أني كسرت قواقعي
فالويل للقرصان.. قد سرقت طواياه البعاد مسامعي
وغدا سأطلق للرياح زوابعي
وسأسترد مرابعي
وستستحم جزائري بالنور. بالنغم الشفيف الساطع
فهنا صدى ناعورة تبكي بغير مدامع
وهنا.. هنا سرب الكراكي الجميل الوادع
يختال ب l منابعي
ويعوم في برك ا ياه. يحوم حول مزارعي
الأرض لي.. أني ضمدت جراحها ‘باضعي
وإذا كان هؤلاء الشعراء السودانيون في الخمسينات قد حركوا ركود
القصيدة العربية I وملئوها بالغضب والنار والتمرد I مبتدئ _ ثورتهم من
واقعهم الحزين I فان هذه ا =وجات قد صبت في الغالب في نهر كبير اسمه
أفريقيا( ٢٩ ) صحيح أنهم قدموا لنا الشوارع الخلفية في القاهرة I وأنهم
قدموا جوانب من الريف وا =دينة السودانية I وأنهم توعدوا القراصنة
ومصاصي الدماء I ورجال الخرافة والكهنوتية باسم ا =ظلوم _ الفقراء I إلا
أن هذه الروافد سرعان ما صبت في نهر كبير اسمه أفريقية I فقد أصبحت
أفريقية رمزا لتمزقهم وضياعهم وغليانهم I فقد أصبحت عند الفيتوري
195







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 10:48 AM رقم المشاركة : 46
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الشعر في السودان
ا =ضام _ الاجتماعية والسياسية I واتصلوا شعوريا بالأحداث التي كانت
تدور داخل الوطن I وخارج الوطن في عدة دوائر I وفي ضوء هذا يصدق
عليهم القول بأن القصيدة ذاكرة الشعب لا ذاكرة الشاعر I وأن الشاعر
يتأثر أكثر uا يؤثر I ولكن القصيدة ح _ كانت تكتب لم يكن يكتب تاريخها
العربي معها I ذلك لأنه كانت هناك فجوات ثقافية I ولأن هذا التاريخ لم يكن
ضاربا بعمق في الأعماق العربية I ولعلهم استعاضوا عن هذا بالتركيز على
السلاسة والإيقاع I والوزن I وقد ساعدهم هذا على التكرار-وهو ظاهرة
بارزة في الشعر السوداني- I وعدم فصل الصوت عن ا =عنى على نحو ما
نعرف من القافية مثلا عندهم فهي معنى وصوت معا ( ٣٠ ) I وقد eزجون
ب _ الشعر وب _ ما يغنى( ٣١ ) I ويكثرون من أسماء الأصوات ( ٣٢ ) I ونحن نراهم
يستجيبون جسميا ونفسيا لظاهرة الإيقاع I وعندهم القدرة على تحويلها
إلى ظاهرة لغوية-لعل وراء هذا الإيقاع الأفريقي والصوفي-ذلك لأن الإيقاع
ينتظم عندهم الحياة كلها I فهناك إيقاع للعمل I والطبيعة I ولظروف تكوين
الجسم وخفته وصلته بالرقص والغناء.. وبالإضافة إلى إيقاع الحياة من
حولهم هناك إيقاع الفنون التشكيلية والتعبيرية I uا يتصور الإنسان معه
أحيانا أن الوجود من حولهم يتحول إلى »نوتة موسيقية « وأن مهمتهم الحقيقية
هي »العزف « الذي لا يهدأ( ٣٣ ) I وبصفة عامة قد أخذوا من الحياة كثيرا I
فقد أخذوا مفردات I - وجملا I وحكما I وأمثالا I وإيقاعا I لا لأنها تحتوي
على قيم جمالية I ولكن لأنها قبل كل شيء تقدم نبضا حيا I وموجات قصيرة
ترتطم غالبا بالفقر I والحزن I والغربة I والتشوق I وا =وت I والأمل.. وجمالها
في الغالب لا يؤخذ من التراث البلاغي ا =عروف I ولكنه يؤخذ من إيقاع
الحركة وسلاستها I وما أكثر القصائد التي تتحول إلى رقصة الحمامة I أو
قفزة راقصة الباليه I أو ضارب الطبل( ٣٤ ).. فإذا جئنا إلى الصورة في هذا
الشعر الذي يتسم بالواقعية وجدناها تزدهر عن ذي قبل I ذلك لأنهم آمنوا
بالحس الذي يترتب عليه إدراك ا =رئيات I وا =سموعات I وا =ذوقات I
وا =شمومات I وا =لموسات.. . بل أن الأمر يتعدى هذا كله إلى إدراك الثقل
والضغط والاتجاه مثلا I وقد كان من وراء هذا الإحساس ا =فرط بالذات
في مواجهة الذين يعملون على إهانة هذه الذات I فإذا كان فقدان الذات
وراء ضعف الفنون التجسيمية والتجائها إلى ما يسمى »بالأرابسك « عند
197
الأساليب الواقعية
الإنسان العربي بصفة عامة I فان الإنسان السوداني نظرا لأنه واجه بالإضافة
إلى الضغوط ا =عروفة ضغوطا أخرى تتصل بقضية اللون I وجدناه يزهر
داخله الحس التشكيلي I ووجدناه لا يقف عند خلق ا =شهد وإ ا يحركه I
ويحدث فيه ضجة I وهكذا رأيناه في هذه الفترة ذا حس بنائي واضح I
فهولا يعتمد على الزخرفة وإ ا على العناصر الأصلية في ا =شاهد I وإذا
كان كالرسم العربي لا يهتم بالجسد البشري I فانه ركز بصفة خاصة على
كل ما يتحرك في هذا الجسد كالع _ والفم واليد I فهو مع القائل _ بأن
الجمال هو الحركة.. و =ا كانت الحركة غزيرة عند الإنسان السوداني فقد
كان لهذا تأثيره على الشعر عنده I والصورة عنده تبدأ من الصورة البسيطة-
كالتشبيه و rر بالتجسيم I وتنتهي إلى التشخيص ورسم الأ وذج ( ٣٥ ) I وهي
عادة تغص بالألوان الساخنة على نحو ما نرى عند الفيتوري I بل أن الأشياء
قد تتحول إلى ألوان على حد ما نعرف مثلا من شعر محمد ا =هدي
مجذوب( ٣٦ ) I كما أن مفرداتها بسيطة وشائعة وبعيدة عن الحذلقة وفي
الوقت نفسه جريئة وموحية I ومحلقة بجناح _ على الجديد والقد G( ٣٧ ) I
ولعل uا يتصل بهذا اهتمامهم بالدلالة الحركية للألفاظ في الشعر I وإذا
كان قد انبثق عن علم اللغة الحديث علم أصبح يعرف باسم علم الكينات أو
علم الحركة الجسمية I أو لغة الجسم-وهو ما يعرف قد eا باسم الإشارة-
وأنهم قد حددوا حركات الجسم I بحركة تصدر للتأكيد على الكلام-ومن ثم
فهي دائما مصاحبة له-وحركة بيانية إيضاحية ترسم الشيء ا =راد وصفه
أو توضيحه-ومن ثم فقد تحدث وحدها أو تصاحب الكلام-وحركة ذات
دلالة-كضرب كف بكف-وهي الأخرى تحدث وحدها أو تصاحب الكلام
ويفهمها أفراد الشعب الواحد لأنها ترتبط بثقافته.. إذا كان الأمر كذلك
فان هذا يوجد بغزارة في الشعر السوداني( ٣٨ ).
وأخيرا فكما قلنا أن صورهم في الغالب لم تكن للزينة I وإ ا كانت لحم
القصيدة ودمها I و =ا كانت الحياة من حولهم خشنة I وكانوا لا يضعون أنفسهم
في دائرة الوسامة I فإننا نرى هذه الصور rثل واقعهم من الداخل ومن
الخارج I بل انه eكن القول بأنهم كانوا يحسنون تقد G صور الدمامة أكثر
من صور الوسامة I وصور الفقر أكثر من صور الغنى( ٣٩ ) I ولعله كان وراء
ذلك الانفصال ب _ العالم الواقعي وب _ الجمال I بالإضافة إلى أن طغيان
198
الشعر في السودان
هذا النوع من الصور يعتبر من خصائص الشعوب ا =نطوية على نفسها( ٤٠ ) I
وبصفة عامة فالقبح مقبول في الأدب I ذلك لأنه لا يثير عنصر الاشمئزاز I
بقدر ما يقوي عنصر الهزل أو عنصر الرعب I بل أن من ا =لاحظ أن الشيء
الدميم قد يتحول إلى وسامة مطلقة ح _ تتم معالجته بصدق وبواقعية I
وهذا ما حدث عند الشعراء السوداني _. ولعل هذا كان وراء روح السخرية-
وهي تنبع أساسا من الحيوية-في الشعر السوداني( ٤١ ).
وبصفة عامة فان هذا الشعر-موسيقا وصورا-قد أصبحت له خصوصية
داخل الشعر العربي يتكامل بها هذا الشعر I وعلى كل فهذاالشعر-من منطلق
الواقعية الاشتراكية-يتعاطف مع الطبقات الفقيرة I و يعصف Qن وراء هذه
الطبقة I و يعطي أملا دائما للإنسان I و يأخذ أدواته من عالم الناس البسطاء I
ومع أنه لم يغفل التعبير بالرمز وبالأسطورة وبالقناع إلا أنه ينعطف عن
الرموز والأساطير والأقنعة ا =تداولة عا =يا إلى رموز وأساطير وأقنعة خاصة
به I صحيح أنه لم يغفل الرموز والأساطير العا =ية على نحو ما فعل صلاح
أحمد إبراهيم I ولكن عا =ه الحقيقي كان في التراث القومي الخاص به( ٤٢ ) I
بل أننا كثيرا ما نراه يتعامل مع قيم إسلامية كبيرة كقوله:
أعرفهم كأهل بدر شدة Š ونجدة Š وطلعة Š وخلقا
أورث مثل بردة النبي في العرين
العربي حامل السوط Š ا ثل للجمال
حل على بادية السودان كالخريف
بالسنة والكتاب
وهو يستخدم كلمة »دبايو « Qعنى السلام عليكم في لغة الهدندوة وفي
الوقت نفسه يرفض استغلال الدين باسم أية مقولة:
واعترت الدين قشعريرة Š استيقظ الضمير من سباته
ورقص الدين على مزمار رأس ا ال.
.. وأخيرا فهناك النماذج الكثيرة التي حفلت بالنثرية I وبالخروج على
الأنساق ا =وسيقية I وصرخت في الوقت نفسه بأنواع مذهبية لم تستطع أن
تصهرها صهرا في العملية الشعرية.. ولكن الذي يطمئن إليه الإنسان أن
الواقعية هي أشبه الأشياء بالإنسان السوداني I فهو لا يستطيع أن يتماسك
rاسك التقليدي I_ وليس مهيئا لهذا العالم الوجداني العذب I كما أن وضوحه
199
الأساليب الواقعية
وتلقيه الأشياء تلقيا واضحا يصرفه إلى حد كبير عن الرمزية I والسريالية..
الخ I فهناك اتجاهات أشبه بالشعوب I وهناك شعوب أشبه ما تكون
بالاتجاهات..
في ضوء هذا eكن القول بأن للشعب السوداني تركيبة عقلية ووجدانية
خاصة به I وقد كان وراء هذا أن الإنسان فيه »منعزل « إلى حد ما I وأنه
يضع في العروبة رجلا ويضع في الزنوجة رجلا I وأنه مرغم على تأصيل
ذاته I وعلى الإحساس بهذه الذات إحساسا مضاعفا ومزدوجا في الوقت
نفسه I وفي ضوء هذا كانت له شخصية تاريخية وجغرافية uيزة ومن ثم
كان من الطبيعي أن تكون لتجربته نوع من الخصوصية والتفرد I فهناك
الشمال العربي I وهناك الجنوب الزنجي I وهناك العديد من اللغات واللهجات I
وهناك ا =ناطق الفقيرة التي تشكو القحط وقلة ا =اء I وهناك الهجرة إلى
الشمال بصفة خاصة لتحس _ أسباب الرزق.. وقد أعطى هذا وغيره تجارب
واقعية جديدة على الأدب العربي( ٤٣ ) والواضح هنا أن الشاعر السوداني مع
أن شعره تفوح منه »نكهة سودانية « إلا أنه نجح في صهر عناصر تجربته
الإقليمية وخرج بها من نطاقها المحدود »وذلك يعني وعي الشاعر الدقيق
لقيمة ا =وضوع الذي يعالجه I ووعيه لطريقة rيزه عن سواه في
ا =عالجة( ..«(٤٤
.. وأخيرا فما نريد أن نؤكده هو أن الشعراء السوداني _ قد أسهموا
إسهاما واضحا في تأكيد ما eكن أن يسمى بالواقعية العربية I فإذا كان من
ا =عروف أن الواقعية النقدية تعترف بالواقع ا =وضوعي وتصفه بفن I وأنها
في الوقت نفسه موقف في الأدب والفن I وان الواقعية الاشتراكية rثل أولا
الانعكاس ا =وضوعي للواقع I و يلتحم فيها ثانيا العنصر النضالي بالعنصر
الشخصي I فان الواقعية العربية eكن تلمسها أولا عند بعض النقاد العرب
الذين يجيء في مقدمتهم الآمدي الذي يرى أنها الطريقة التي يخبر فيها
بالشيء »على ما هو عليه I« و eكن تلمسها عند كثير من ا =بدع _ من
الشعراء الذين يجيء في مقدمتهم الشعراء السودانيون.
200
الشعر في السودان
201
ا ؤلف في سطور:
د.عبده بدوي
* حصل على الدكتوراه Qرتبة الشرف الأولى في اللغة العربية وآدابها
من جامعة القاهرة عام ١٩٦٩ .
* عمل في اﻟﻤﺠلات التي تصدر عن وزارة الثقافة سكرتير تحرير I
ومدير تحرير I ورئيس تحرير I وكانت له أبواب ثابتة في العديد من اﻟﻤﺠلات
مثل: نهضة أفريقية I والرسالة I والثقافة I والشعر.
* عمل بالتدريس في جامعة أم درمان بجمهورية السودان I ثم ع _ في
جامعة ع _ شمس I ثم أعير منها عام ١٩٧٧ لقسم اللغة العربية بكلية الآداب
والتربية بجامعة الكويت.. وفي الوقت نفسه يرأس تحرير مجلة الشعر التي
تصدر منذ ست سنوات.
* له عشرة أعمال شعرية توجت بالحصول على جائزة الدولة في الشعر I
وبالحصول عل وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.. كما أن له سبعة
عشر مؤلف نال آخرها جائزة
البحث العلمي لأعضاء هيئة
التدريس بجامعة ع _ شمس.
* عضو من أربعة عشر
عاما في اﻟﻤﺠلس الأعلى
للفنون والآداب I واﻟﻤﺠلس
الأعلى للشئون الإسلامية I
وجمعية الأدباء بجمهورية
مصر العربية.
* مثل بلاده في العديد
من مهرجانات الشعر
ومؤ rرات الأدباء داخل
العالم العربي وخارجه.
* من دواوينه: شعبي
ا =نتصر I باقة نور I لا مكان
للقمر I الحب وا =وت I كلمات
دور المشروعات العامة







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 10-02-2009, 06:51 PM رقم المشاركة : 47
معلومات العضو
خضر حسن الفضل
عضو إدارة موقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية خضر حسن الفضل
إحصائية العضو







خضر حسن الفضل is on a distinguished road

خضر حسن الفضل غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

شكراً أبو تراجى علي إختيارك لهذه الدُرر
فقد قمت من خلال هـذه المكتـبة بتعريفنا بدكتور عبـده بـدوي .
و كتابـه الذي أتحفنا بهذا التحليل الوافي للشعر السوداني وعلاقته بالواقعية العـربـية .







رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 11-20-2009, 09:58 AM رقم المشاركة : 48
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

مشكور استاذنا خضر على المرور
ونامل من الجميع المشاركة والاطلاع







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 11-20-2009, 10:45 AM رقم المشاركة : 49
معلومات العضو
allarinja


الصورة الرمزية allarinja
إحصائية العضو







allarinja is on a distinguished road

allarinja غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الشكر للشيخ والأخ أبوتراجي
علي وضع هذا الكتاب في متناول أيدينا
حول الشعر السوداني .....
فلك كل الشكر والتقدير ________
أما بخصوص المكتبة الشاملة التي أود
من الجميع المشاركة فيها فهي
مجرد روابط لبرامج الكمبيوتر







التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:15 PM رقم المشاركة : 50
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

الشعر الجاهلى
الإهداء
إلى حضرة صاحب الدولة :
عبد الخالق ثروت باشا
سيدي صاحب الدولة
كنتُ قبل اليوم أكتبُ في السياسة ، وكنتُ أجد في ذكرك والإشادة بفضلك ، راحة نفس تحب الحق ، ورضا ضمير يحب الوفاء .
وقد انصرفتُ عن السياسة وفرغتُ للجامعة وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنتُ أراك من قبل ، قويّ الروح ، ذكي القلب ، بعيد النظر ، موفقا في تأييد المصالح العلمية توفيقك في تأييد المصالح السياسية .
فهل تأذن لي أن أقدم إليك هذا الكتاب مع التحية الخالصة والإجلال العظيم ؟
طه حسين
22 مارس سنة 1926 م
" 1 "







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:17 PM رقم المشاركة : 51
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

تمهيد
هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد ، لم يألفه الناس عندنا من قبل . وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه ، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا . ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث ، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده ، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة . وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين .
ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي . وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول ، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور . وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين ، فسيرضى هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد .
ولقد تناول الناس منذ حين مسألة القديم والجديد ، واشتد فيها اللجاج بينهم ، وخيل إلى بعضهم أن المختصين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها ، فهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب التي يتعاطاها الناس من نثر وشعر ، والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني ، والألفاظ التي يعمد إليها الكاتب أو الشاعر حين يريد أن يتحدث إلى الناس بعواطف نفسه أو نتائج عقله . ولكن للمسألة وجها آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري ، وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه .
نحن بين اثنين : إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء ، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث والذي يتيح لنا أن نقول : أخطأ الأصمعي أو أصاب ، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق ، واهتدى الكسائي أو ضل الطريق ، وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع بحث . لقد أنسيت ، فلست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك . أريد ألا نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه ألا بعد بحث وتثبت إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان .
والفرق بين هذين المذهبين في البحث عظيم ، فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث على الاطمئنان والرضا ، والشك الذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في الكثير من الأحيان إلى الإنكار والجحود .
المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا تبديل ولا يمسه في جملته وتفصيله إلا مسا رفيقا . أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب . وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئا كثيرا .
ولندع هذا النحو من الكلام العام ولنوضح ما نريد أن نقوله بشيء من الأمثلة :
بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحق . فأما أنصار القديم فالطريق أمامهم واضحة معبدة ، والأمر عليهم سهل يسير . أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام وقالت كثيرا من الشعر ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس ولا يكادون يختلفون فيها ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقدارا من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس ، حتى جاء عصر التدوين فدون في الكتب وبقى منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا ؟ وإذا كان العلماء قد اجمعوا على هذا كله فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها ونقلوا إلينا آثار الشعراء وفسروها ، فلم يبق إلا أن تأخذ عنهم ما قالوا راضين به مطمئنين إليه . فإذا لم يكن لأحدنا يد من أن يبحث وينقد ويحقق فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم . فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت . فلتوازن بينهم ولنرجح رواية على رواية ولنؤثر ضبطا على ضبط ، ولنقل : أصاب البصريون أخطأ الكوفيون ، أو وفق المبرد ولم يوفق ثعلب . لنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد : هذا مذهب أنصار القديم ، وهو المذهب الذائع في مصر ، وهو المذهب الرسمي أيضا ، مضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومنهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف .
ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب ، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور ، ويحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب والتنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع . فما زال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية ، وإلى عاربة ومستعربة . وما زال أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل . وما زال امرؤ القيس صاحب " قفا نبك ... " وطرفة صاحب " لخولة أطلال ... " وعمر بن كلثوم صاحب " ألا هبي ... " ، وما زال كلام العرب في جاهليتها وإسلامها ينقسم إلى شعر ونثر . والنثر ينقسم إلى مرسل ومسجوع ، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب وما يلقون على التلاميذ والطلاب من دروس .
هم لم يغيروا في الأدب شيئا . وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئا وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه والمتكلمون في الكلام .
وأما أنصار الجديد ، فالطريق أمامهم معوجة ملتوية ، تقوم فيها عقاب لا تكاد تحصى . وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث هما إلى البطء أقرب منهما إلى السرعة . ذلك أنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:17 PM رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

ولا اطمئنان ، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان . فقد خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا . وهم لا يريدون أن يخطوا في تاريخ خطوة حتى يتبينوا موضعها . وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف .
هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء ، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك . ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئنانا . هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي فيتجاهلون إجماع القدماء على ما اجمعوا عليه ، ويتساءلون : أهناك شعر جاهلي ؟ فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته ؟ وما هو ؟ وما مقداره ؟ وبم تميز من غيره ؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد . هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة ، وعاربة ومستعربة ، ولا أن أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل ، ولا أن امرأ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات ، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك . ويريدون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين أم مخطئين ؟
والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر ، فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر . وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه .
وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا . فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ . وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها . وهم بين اثنين : إما أن يجحدوا أنفسهم ويجحدوا العلم وحقوقه فيريحوا ويستريحوا ؛ وإما أن يعرفوا لأنفسهم حقها ويؤدوا للعلم واجبه ، فيعترضوا لما ينبغي أن يتعرض له العلماء من الأذى ويحتملوا ما ينبغي أن يتعرض له العلماء من سخط الساخطين .
ولست أزعم أني من العلماء . ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى . وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأرد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا . ولكني مع ذلك أحب أن أفكر ، وأحب أن أبحث ، وأحب أن أعلن إلى الناس ما انتهى إليه بعد البحث والتفكير ؛ ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم على حين أعلن إليهم ما يحبون أو ما يكرهون . وإذن فلأعتمد على الله ، ولأحدثك بما أحب أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق ، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير .
وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك ، أو قل ألح عليّ الشك ، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر ، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين . ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين . وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء ، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي . وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ؛ وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين .
وأنا أزعم مع هذا كله أن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع ، وأنا نستطيع أن نتصوره تصورا واضحا قويا صحيحا . ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر ، بل على القرآن من ناحية ، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى .
وستسألني كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة ؟ ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤال ؛ بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه . ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل . وسترى أن هذه الطائفة المختلفة من المسائل تنتهي كلها إلى نتيجة واحدة هي هذه النظرية التي ذكرتها منذ حين . يجب أن أحدثك عن الحياة السياسية الداخلية للأمة العربية بعد ظهور الإسلام ووقوف حركة الفتح ، وما بين هذه الحياة وبين الشعر من صلة . ويجب أن أحدثك عن حال أولئك الناس الذين غلبوا على أمرهم بعد الفتح في بلاد الفرس وفي الشام والجزيرة والعراق ومصر ، وما بين هذه الحال وبين لغة العرب وآدابهم من صلة . ويجب أن أحدثك عن نشأة العلوم الدينية واللغوية وما بينها وبين اللغة والأدب من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام وبعده ، وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة . ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية ، وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن مؤثرات سياسية خارجية عملت في حياة العرب قبل الإسلام وكان لها أثر قوي جدا في الشعر العربي الجاهلي وفي الشعر العربي الذي انتحل وأضيف إلى الجاهليين . وهذه المباحث التي أشرت إليها ستنتهي كلها إلى تلك النظرية التي قدمتها : وهي أن الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلي ليست من الشعر الجاهلي في شيء .
ولكني مع ذلك لن أقف عند هذه المباحث ؛ لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي بل جاوزتها . وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها ، ذلك هو البحث الفني واللغوي . فسينتهي بنا هذا البحث إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء ، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن . نعم
! وسينتهي بنا هذا المبحث إلى نتيجة غريبة ، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث ، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله ، أريد أن أقول إن هذه الأشعار لا تثبت شيئا ولا تدل على شيء ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث . فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه .
فإذا انتهينا من هذه الطرق كلها إلى غاية واحدة هي هذه النظرية التي قدمتها ، فسنجتهد في أن نبحث عما يمكن أن يكون شعرا جاهليا حقا . وأنا أعترف منذ الآن بأن هذا البحث عسير كل العسر ، وبأني أشك شكا شديدا في أنه قد ينتهي بنا إلى نتيجة مرضية . ومع ذلك فسنحاوله .







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:18 PM رقم المشاركة : 53
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

" 2 "
منهج البحث
أحب أن أكون واضحا جليا وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن اضطرهم إلى أن يتأولوا ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها . أريد أن أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب ، وأن أريح نفسي من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة . أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما تناولون من العلم والفلسفة . أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث . والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل ، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما , والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر ، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرا ، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تحديدا ، وأنه غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم ، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث .
فلنصطنع هذا المنهج حن نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم تاريخه بالبحث والاستقصاء . ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة التي تأخذ أيدينا وأرجلنا ورؤوسنا فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة أيضا .
نعم
! يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها ، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به ، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين ؛ يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح . ذلك أنـّا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف ، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين . وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب ، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب ؛ فلم يبرأ علمهم من الفساد ؛ لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم ؛ ولأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا .
كان القدماء مسلمين مخلصين في حب الإسلام ، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه ، ولم يعرضوا لمبحث علمي ولا لفصل من فصول الأدب أو لون من ألوان الفن إلا من حيث أنه يؤيد الإسلام ويعزه ويعلي كلمته . فما لاءم مذهبهم هذا أخذوه ، وما نافره انصرفوا عنه انصرافا . أو كان القدماء غير المسلمين : يهوداً أو نصارى أو مجوسا أو ملحدين أو مسلمين في قلوبهم مرض وفي نفوسهم زيغ ، فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر به المسلمون الصادقون : تعصبوا على الإسلام ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغض منه والتصغير من شأنه ، فظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال المقبلة . ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء ، لتركوا لنا أدبا غير الأدب الذي نجده بين أيدينا ، ولأراحونا من هذا العناء الذي نتكلفه الآن . ولكن هذه طبيعة الإنسان لا سبيل إلى التخلص منها . وأنت تستطيع أن تقول هذا الذي نقوله في كل شيء . فلو أن الفلاسفة ذهبوا في الفلسفة مذهب (ديكارت) منذ العصور الأولى ، لما احتاج (ديكارت) إلى أن يستحدث منهجه الجديد . ولو أن المؤرخين ذهبوا في كتابة منذ العصور الأولى مذهب (سينيو بوس) لما احتاج (سينيو بوس) إلى أن يستحدث منهجه في التاريخ . وبعبارة أدنى إلى الإيجاز : لو أن الإنسان خلق كاملا لما احتاج إلى أن يطمع في الكمال .
فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم . ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوه . لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم ، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه ، ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي ، ولا وجلين حين ينتهي بنا هذا البحث إلا ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية . فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء . وليس من شك في أننا سنلتقي أصدقاء سواء اتفقنا في الرأي أو اختلفنا فيه . فما كان اختلاف الرأي في العلم سببا من أسباب البغض ؛ إنما الأهواء والعواطف هي التي تنتهي بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء .
فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب ، وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضا . وأنت ترى أن الأخذ بهذا المنهج ليس حتما على الذين يدرسون العلم ويكتبون فيه وحدهم ، بل هو حتم على الذين يقرءون أيضا . وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرءوا من القديم ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء حين يقرءون العلم أو يكتبون فيه ألا يقرءوا هذه الفصول . فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارا حقا .







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:19 PM رقم المشاركة : 54
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

" 3 "
مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس
في القرآن لا في الشعر الجاهلي
على أني أحب أن يطمئن الذين يكلفون بالأدب العربي القديم ويشفقون عليه ويجدون شيئا من اللذة في أن يعتقدوا أن هناك شعرا جاهليا يمثل حياة جاهلية انقضى عصرها بظهور الإسلام ؛ فلن يمحو هذا الكتاب ما يعتقدون ، ولن يقطع السبيل بينهم وبين هذه الحياة الجاهلية يدرسونها ويجدون في درسها ما يبتغون من لذة علمية وفنية . بل أنا ذاهب إلى أبعد من هذا ، فأزعم أني سأكتشف لهم طريقا جديدة واضحة قصيرة سهلة يصلون منها إلى هذه الحياة الجاهلية ، أو بعبارة أصح : يصلون منها إلى حياة جاهلية لم يعرفوها ، إلى جاهلية قيمة مشرفة ممتعة مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما ينسب إلى الشعراء الجاهليين .
ذلك أني لا أنكر الحياة الجاهلية وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي . فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ، لأني لا أثق بما ينسب إليهم ؛ وإنما أسلك إليها طريقا أخرى ، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ، أدرسها في القرآن . فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي . ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه . أدرسها في القرآن ، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه ، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام . بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه . فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية . فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي حازم .
قلت : أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية . وهذه القضية غريبة حين تسمعها ؛ ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلا . فليس من اليسير أن نفهم الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة هي هذه الصلة التي توجد بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه . وليس من اليسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه ووقفوا على أسراره ودقائقه . وليس من اليسير بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدا كله على العرب . فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ، ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر . إنما كان القرآن جديدا في أسلوب ، جديدا فيما يدعو إليه ، جديدا فيما شرع للناس من دين وقانون ، ولكنه كان كتابا عربيا ؛ لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره ، أي في العصر الجاهلي . وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية ، وفيه رد على اليهود ، وفيه رد على النصارى ، وفيه رد على الصائبة والمجوس . وهو لا يرد على يهود فلسطين ، ولا على نصارى الروم ، ومجوس الفرس ، وصائبة الجزيرة وحدهم ، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها . ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر ، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه ، وضحوا في سبيل تأييده ومعارضته بالأموال والحياة .
أفترى أحدا يحفل بي لو أني أخذت أهاجم البوذية أو غيرها من هذه الديانات التي لا يدينها أحد في مصر ؟ ولكني أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية ، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية ، وأُحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام . وأنا لا أكاد أعرض لواحد من هذه الأديان حتى أجد مقاومة الأفراد ثم الجماعات ، ثم مقاوم الدولة نفسها تمثلها النيابة والقضاء . ذلك لأني أهاج ديانات ممثلة في مصر يؤمن بها المصريون وتحميها الدولة المصرية . وكذلك كانت الحال حين ظهر الإسلام : هاجم الوثنية فعارضوه الوثنيون ، هاجم اليهود فعارضه اليهود ، هاجم النصارى فعارضه النصارى , ولم تكن هذه المعارضة هينة ولا لينة ، وإنما كانت تقدر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس في الحياة الاجتماعية والسياسية . فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبي من مكة ونصبت له الحرب واضطرت أصحابه إلى الهجرة . وأما يهودية اليهود فقد ألبت عليه وجاهدته جهادا عقليا وجدليا ، ثم انتهت إلى الحرب والقتال . وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبان حياة النبي قوية قوة المعارضة الوثنية واليهودية . لماذا ؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية ، إنما كانت وثنية في مكة ، يهودية في المدينة . ولو ظهر النبي في الحيرة أو في نجران للقى من النصارى هاتين المدينتين مثل ما لقى من مشركي مكة ويهود المدينة .
وفي الحق أن الإسلام لم يكد يظهر على مشركي الحجاز ويهوده حتى استحال الجهاد بينه وبين النصارى من جدال ونضال بالحجة إلى اصطدام مسلح ، أدرك النبي أوله وانتهى به الخلفاء إلى أقصى حدوده .
فأنت ترى أن القرآن حيث يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات إنما يتحدث عن العرب وعن نحل ديانات ألفها العرب . فهو يبطل منها ما يبطل ، ويؤيد منها ما يؤيد . وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس . وإذن فما أبعد الفراق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين والبحث عنها في القرآن
!
فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة ومن الشعور الديني القوى والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية ؛ وإلا فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة
! أو ليس عجبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين
! .
وأما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر ، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال . فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى الكيد ، ثم إلى الاضطهاد ، ثم إلى إعلان الحرب التي لا تبقى ولا تذر .
فتظن أن قريشا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم وتذيقهم ألوان العذاب ثم تخرجهم من ديارهم ثم تنصب لهم الحرب وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها لو لم يكن لها من الدين ل ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ؟ كلا ! كانت قريش متدينة قوية الايمان بدينها . ولهذا الدين وللايمان بهذا الدين جاهدت ما جاهدت وضحت ما ضحت . وقل مثل ذلك في اليهود ؛ وقل مثله في غير أولئك وهؤلاء من العرب الذي جاهدوا النبي عن دينهم .
فالقرآن إذن أصدق تمثيلا للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي . ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها ؛ وإنما يمثل شيئا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي ، يمثل حياة عقلية قوية ، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظا عظيما . أليس لبقرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال والقدرة على الخصام والشدة في المحاورة ! وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون ؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون ان يوفقوا الى حلها : في البعث ، في الخلق ، في امكان الاتصال بين الله و الناس ، في المعجزة وما إلى ذلك .
أفتظن قوما يجادلون في هذه الاشياء جدالا يصفه القرآن بالقوة ويشهد لأصحابه بالمهارة ، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثلهم لنا هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ! كلا ! لم يكونوا جهالا ولا أغبياء ولا غلاظا ولا أصحاب حياة خشنة جافية ؛ وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة .







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:20 PM رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

ومهما يجب أن نحتاط ، فلم يكن العرب كلهم كذلك ؛ وإنما كانوا كغيرهم من الأمم القديمة وككثير من الأمم الحديثة منقسمين إلى طبقتين : طبقة المستنيرين الذي يمتازون بالثروة والجاه والذكاء والعلم ، وطبقة العامة الذين لا يكاد يكون لهم من هذا كله حظ .
القرآن شاهد بهذا . أليس يحدثنا عن أولئك المستضعفين الذين كفروا طاعة لسادتهم وزعمائهم لا جهادا في الرأي ولا اقتناعا بالحق ، والذين سيقولون يوم يسألون : (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) . بلى ! والقرآن يحدثنا عن جفوة الأعراب وغلظتهم وامعانهم في الكفر والنفاق وقلة حظهم من العاطفة الرقيقة التي تحمل الإيمان والتدين . أليس هو الذي يقول : (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) . أليس قد شرع للنبي أن يتألف قلوب الأعراب بالمال ! بلى . فالقرآن إذن يمثل الأمة العربية على أنها كغيرها من الأمم القديمة ، فيها الممتازون المستنيرون الذين كان النبي يجادلهم ويجاهدهم ؛ وفيها العامة الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو امتياز والذين كانوا موضوع النزاع بين النبي بالمال أحيانا .
والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة فحسب ، بل هو يعطينا منها صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الاسلام ، فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الاسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي ، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات ، فهم يقولون إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرات الخاجية التي أثرت بالشعر الإسلامي : لم يتأثر بحضارة الفرس والروم . وأنى له ذلك ! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة . كلا ! القرآن يحدثنا بشيء غيرهذا ، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بما حولهم من الأمم بل كانوا على اتصال قوي قسمهم احزابا وفرقهم شيعا . أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين : حزب يشايع أولئك ، وحزب يناصر هؤلاء ! أليس في القرآن سورة تسمى الروم وتبتدئ بهذه الايات : (آلم غابت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) .
لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين ؛ فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الروم والفرس . وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ..) وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم ، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس .
وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة . ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد ! وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر . فلم يكونوا إذن معتزلين ، ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس والروم والحبش والهند وغيرهم من الأمم المجاورة لهم . لم يكونوا غير دين ولم يكونوا جهالا ولا غلاظا ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ، كذلك يمثلهم القرآن .
وإذا كانوا أصحاب علم ودين ، وأصحاب ثروة وقوة وبأس ، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها ، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية لا أمة جاهلة همجية . وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلية همجية !
أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الجاهلي ! أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين !







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:21 PM رقم المشاركة : 56
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

4 "
الشعر الجاهلي واللغة
على أن هناك شيئا آخر يحظر علينا التسليم بصحة الكثرة المطلقة من هذا الشعر الجاهلي ، ولعله أبلغ في اثبات ما نذهب اليه . فهذا الشعر الذي رأينا أنه لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد على أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه والأمر هنا يحتاج إلى شيء من الروية والأناة . فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حين نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه ، نريد بها الألفاظ من حيث هي ألفاظ تدل على معانيها ، تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى ، وتتطور تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة .
نقول أن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية . ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي ، أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه . أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز .
وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة . وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبهم باسماعيل بن ابراهيم . وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية ، خلاصته أن أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه اسماعيل بن ابراهيم .
على هذا كله يتفق الرواة ، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أيضا أثبته البحث الحديث ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير (وهي العرب العاربة) ولغة عدنان (وهي العرب المستعربة) . وقد روى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا .
وفي الحق أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية ، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذا البلاد . ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من اثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا . وإذن فلابد من حل هذه المسألة .
إذا كان أبناء اسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة فكيف بعد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة ، حتى استطاع أبو عمرو بن العلاء أن يقول إنهما لغتان متمايزتان ، واستطاع العلماء المحدثون أن يثبتوا هذا التمايز بالأدلة التي لا تقبل شكا ولا جدالا ! والأمر لا يقف عند هذا الحد ، فواضح جدا لكل من له المام بالبحث التاريخي عامة وبدرس الأساطير والأقاصيص خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .
للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي ، فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها . ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في اثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى . وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويثبتون فيه المستعمرات . فنحن نعلم أن حروبا عنيفة شبت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد ، وانتهت بشيء من المسالمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة . فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام ، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئا من التشابه غير قليل ؛ فأولئك وهؤلاء ساميون .
ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب ، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين : ديانة النصارى واليهود .
فأما الصلة الدينية فثابتة واضحة ، فبين القرآن والتوراة والأناجيل اشتراك في الموضوع والصورة والغرض ، كلها ترمي إلى التوحيد ، وتعتمد على أساس واحد هو هذا الذي تشترك فيه الديانات السماوية السامية . ولكن هذه الصلة الدينية معنوية وعقلية يحسن أن تؤيدها صلى أخرى مادية ملموسة أو كالملموسة بين العرب وبين أهل الكتاب .
فما الذي يمنع أن تستغل هذه القصة قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود ؟
وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح فقد كانت أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة في مكة وماحولها وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من العربية الوثنية . وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين : التجارة من جهة ، والدين من جهة أخرى .
فأما التجارة فنحن نعلم أن قريشا كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة .
وأما الدين فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها قريش ويحج اليها العرب المشركون في كل عام ، والتي أخذت تبسط على نفوس هؤلاء العرب المشركين نوعا من السلطان قويا ، والتي أخذ هؤلاء العرب المشركون يجعلون منها رمزا لدين قوي كأنه كان يريد أن يقف في سبيل انتشار اليهودية والمسيحية من ناحية أخرى . فنحن نلمح في الأساطير أن شيئا من المنافسة الدينية كان قائما بين مكة ونجران . ونحن نلمح في الأساطير أيضا أن هذه المنافسة الدينية بين مكة وبين الكنيسة التي أنشأها الحبشة في صنعاء هي التي دعت إلى حرب الفيل التي ذكرت في القرآن .
فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية ، ونهضة دينية وثنية . وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة ودياناتهم في البلاد العربية .
وإذا كان هذا حقا – ونحن نعتقد أنه حق – فمن المعقول جدا أن تبحث هذه المدينة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تتحدث عنها الأساطير . وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس اسماعيل وابراهيم ، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة باينياس ابن بريام صاحب طروادة .
أمر هذه القصة إذن واضح . فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني ، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضا ، وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عند ما يريد أن يعترف أصل اللغة العريبة الفصحى . وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي أنت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة ، وإن قصة العاربة والمستعربة وتعلم اسماعيل العربية من جرهم ، كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه .
والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي أبتدأنا به منذ حين ، وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا . ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن ، والتي كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء : إن لغتها مخالفة للغة العرب ، والتي أثبت البحث الحديث ، أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية .
ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية لا نجد فرقا قليلا ولا كثيرا بينه وبين شعر العدنانية . نستغفر الله ! بل نحن لا نجد فرقا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن . فكيف يمكن فهم ذلك أو تأويله ؟ أمر ذلك يسير ، وهو أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام ليس من القحطانية في شيء ، لم يقله شعراؤها وإنما حمل عليهم بعد الإسلام لأسباب مختلفة سنبينها حين نعرض لهذه الأسباب التي دعت إلى انتحال الشعر الجاهلي في الإسلام .







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:22 PM رقم المشاركة : 57
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

" 5 "
الشعر الجاهلي واللهجات
على أن الأمر يتجاوز هذا الشعر الجاهلي القحطاني إلى الشعر الجاهلي العدناني نفسه . فالرواة يحدثونا أن الشعر تنقل في قبائل عدنان ، كان في ربيعة ثم انتقل إلى قيس ثم إلى تميم . فظل فيها إلى ما بعد الإسلام أي إلى أيام بني أمية حين نبغ الفرزدق وجرير .
ونحن لا نستطيع أن نقبل هذا النوع من الكلام إلا باسمين ، لأننا لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة ، أي لأننا ننكر أو نشك على أقل تقدير شكا قويا في قيمة هذه الأسماء التي تسمى بها القبائل ، وفي قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء وبين أسماء هذه القبائل ؛ ونعتقد أو نرجح أن هذا كله أقرب إلى الأساطير منه إلى العلم اليقين .
ولكن مسألة النسب وقيمته مسألة لا تعنينا الآن . فلندعها إلى حيث نعرض لها إذا اقتضت مباحث هذا الكتاب أن نعرض . وقد بينا رأينا فيها بيانا مجملا في "ذكرى أبي العلاء" . إنما المسالة التي تعنينا الآن وتحملنا على الشك في قيمة هذه النظرية (نظرية تنقل الشعر في قبائل عدنان قبل الإسلام) مسالة فنية خالصة . فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام فيقارب بين اللغات المختلفة ويزيل كثيرا من تباين اللهجات . وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانية وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام . ولا سيما إذا صحت النظرية التي أشرنا إليها آنفا وهي نظرية العزلة العربية ، وثبت أن العرب كانوا متقاطعين متنابذين ، وأنه لم يكن بينهم من أسباب المواصلات المادية والمعنوية ما يمكن من توحيد اللهجات .
فإذا صح هذا كله ، كان من المعقول جدا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام ، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القران على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة . ولكننا لا نرى شيئا من ذلك في الشعر العربي الجاهلي . فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجا للشعر الجاهلي الصحيح ، فسترى أن فيها مطولة لامرئ القيس وهو من كندة أي من قحطان ، وأخرى لزهير ، وأخرى لعنترة ، وثالثة للبيد ، وكلهم من قيس ، ثم قصيدة لطرفة ، وقصيدة لعمرو بن كلثوم ، وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة وكلهم من ربيعة .
تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون ان تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافا في اللهجة او تباعدا في اللغة أو تباينا في مذهب الكلام . البحر العروضي هو هو ، وقواعد القافية هي هي ، والألفاظ مستعملة في معانيها كما نجدها عند شعراء المسلمين ، والمذهب الشعري هو هو .
كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تاثيرا ما . فنحن بين اثنتين : إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان في اللغة ولا في اللهجة ولا في المذهب الكلامي ؛ وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر من هذه القبائل وإنما حمل عليها حملا بعد الإسلام . ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى . فالبرهان القاطع قائم على اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان ، يعترف القدماء انفسهم بذلك كما رأيت أبا عمرو بن العلاء ، ويثبته البحث الحديث .
وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من الوقت ما يمكننا من استقصائه وتفصيل القول فيه ، وهو أن القرآن الذي تلي بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا كثيرا ، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علما أو علوما خاصة . ولسنا نشير هنا إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافا كثيرا في ضبط الحركات سواء أكانت حركات بنية أو حركات إعراب . لسنا نشير إلى اختلاف القراء في نصب " الطير " في الآية : (يا جبال أوبي معه والطير) أو رفعها ، ، ولا في اختلافهم في ضم الفاء أو فتحها في الآية : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ولا في اختلافهم في ضم الحاء أو كسرها في الآية : (وقالوا حجرا محجورا) ولا إلى اختلافهم في بناء الفعل للمجهول أو للمعلوم في الآية : (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) .
لا نشير إلى هذا النحو من اختلاف الروايات في القرآن فتلك مسالة معضلة نعرض لها ولما ينشا عنها من النتائج إذا أتيح أن ندرس تاريخ القرآن . إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل ، ويسبغه النقل ، وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش ، فقرأته كما كانت تتكلم ، فأمالت حيث لم تكن تميل قريش ، ومدت حيث لم تكن تمد ، وقصرت حيث لم تكن تقصر ، وسكنت حيث لم تكن تسكن ، وأدغمت أو أخفت ونقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنقل . فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام .
ولسنا نستطيع أن نفهم كيف استقامت أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دونها الخليل لقبائل العرب كلها على ما كان بينها من تباين اللغات ، واختلاف اللهجات . وإذا لم يكن نظم القرآن ، وهو ليس شعرا ولا مقيدا بما يتقيد به الشعر ، قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل ، فكيف استطاع الشعر ، وهو مقيد بما تعلم من القيود ، أن يستقيم لها ! وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي ، أي كيف لم توجد صلة واضحة ، بين هذه الاختلاف في اللهجة ويبن الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل ؟
ستقول : ولكن اختلاف اللهجات كان قائما بعد القرآن ، وليس من شك في أن قبائل العرب على اختلافها قد تعاطت الشعر بعد الإسلام ولم يظهر فيه اختلاف اللهجات ، فكما استقامت بحوره وأوزانه على هذا الاختلاف بعد الإسلام ، فليس ما يمنع أن تكون قد استقامت عليه في العصر الجاهلي .
ولست أنكر أن اختلاف اللهجات كان حقيقة واقعة بعد الإسلام . ولست أنكر أن الشعر قد استقام للقبائل كلها رغم هذا الاختلاف . ولكني أظن أنك تنسى شيئا يحسن ألا تنساه ، وهو أن القبائل بعد الإسلام قد اتخذت للأدب لغة غير لغتها ، ، وتقيدت في الأدب بقيود لم تكن لتتقيد بها لو كتبت أو شعرت في لغتها الخاصة ، أي أن الإسلام قد فرض على العرب جميعا لغة عامة واحدة هي لغة قريش . فليس غريبا أن تقييد هذه القبائل بهذه اللغة الجديدة في شعرها ونثرها في أدبها بوجه عام فلم يكن التميمي أو القيسي حين يقول الشعر في الإسلام يقوله بلغة تميم او قيس ولهجتها . ومثل ذلك واضح في غير اللغة العربية من اللغات القديمة والحديثة . وكان للدوريين من اليونان شعرهم الدوري وأوزانهم الدورية ، وكان لليونيين شعرهم اليوني وأوزانهم اليونية . ثم لما ظهرت أثينا على البلاد اليونانية عامة ذاع الشعر اليوني والأوزان اليونية والنثر الأتيكي ، وأصبح الدوريون إذا نظموا أو نثروا يصطنعون ما كان يصطنع في أثينا من مناهج النظم والنثر ، ويصطنعون اللغة اليونية التي هذبها مذهب الأثنيين في الكلام ، فهم كانوا يعدلون عن لغاتهم وأوزانهم وأساليبهم . وكذلك فعل العرب بعد الإسلام : عدلوا في لغتهم الأبدية عن كل ما كانت تمتاز به لغتهم ولهجتهم الخاصة إلى لغة القرآن ولهجتها . والأمر كذلك في الأمم الحديثة ذات الأقاليم المتنائية . والأطراف المتباعدة والتكوين الجنسي المعقد . ولست أضرب لذلك إلا مثلا واحدا حيا هو مثل فرنسا . ففي فرنسا إلى جانب اللغة الفرنسية لغات إقليمية لها نحوها ولها قوامها الخاص ولها شعرها ؛ ومع ذلك فأهل الأقاليم إذا أرادوا أن يظهروا آثارا أدبية أو علمية قيمة يعدلون عن لغتهم الإقليمية إلى اللغة الفرنسية . وقليل جدا من بينهم من يذهب مذهب (ميسترال) فيكتب في لغته الإقليمية الخاصة .
وأنا أشعر بالحاجة إلى أن أضرب مثلا آخر قد يدهش له الذين يدرسون الأدب العربي ؛ لأنهم لم يتعودوا مثله من الباحثين عن تاريخ الأدب . ذلك أن في لغتنا المصرية العصرية لهجات مختلفة وأنحاء متباينة من أنحاء القول ، فلأهل مصر العليا لهجاتهم ، ولأهل مصر الوسطى لهجاتهم ، ولأهل القاهرة لهجاتهم ، ولأهل مصرالسفلى لهجاتهم . وهناك اتفاق مطرد بين هذه اللهجات وبين ما للمصريين من شعر في لغتهم العامية ، فأهل مصر العليا يصطنعون أوزانا لا يصطنعها أهل القاهرة ولا أهل الدلتا ، وهؤلاء يصطنعون أوزانا لا يصطنعها أهل مصر العليا . وهذا ملائم لطبيعة الأشياء . فما كان للشعر أن يخرج عما ألف أصحابة من لغة ولهجة في الكلام . ومع هذا كله فنحن حين ننظم للشعر الأدبي أو نكتب النثر الأدبي والعلمي نعدل عن لغتنا ولهجتنا الإقليمية إلى هذه اللغة واللهجة التي عدل إليها العرب بعد الإسلام وهي لغة قريش ولهحة قريش ، أي لغة القرآن ولهجته .
* * * * *
فالمسألة إذن هي أن نعلم : أسادت لغة قريش ولهجتها في البلاد العربية ، واخضعت العرب لسلطانها في الشعر والنثر قبل الإسلام أم بعده؟ أما نحن فنتوسط ونقول : إنها سادت قبل الإسلام حين عظم شأن قريش وحين أخذت مكة تستحيل إلى وحدة سياسية مستقلة مقاومة للسياسة الأجنبية التي كانت تتسلط على أطراف البلاد العربية . ولكن سيادة لغة قريش قبيل الإسلام لم تكن شيئا يذكر ولم تكد تتجاوز الحجاز . فلما جاء الإسلام عمت هذه السيادة و سار سلطان اللغة واللهجة مع السلطان الديني جنبا لجنب . وإذن فنحن إذا استطعنا أن نفسر اتفاق اللغة واللهجة في شعر . أولئك الذين عاصروا النبي من أهل الحجاز ، فلن نستطيع أن نفسره في شعر الذين لم يعاصروه أو لم يحاوروه .
ولندع هذه المسألة الفنية الدقيقة التي نعترف بأنها في حاجة إلى تفصيل وتحقيق أوسع وأشمل مما يسمح لنا به المقام في هذا الفصل إلى مسألة أخرى ليست أقل منها طرا ، وإن كان أنصار القديم سيجدون في فهمها شيئا من العسر والمشقة ؛ لأنهم لم يتعودوا مثل هذه الريبة في البحث العلمي . وهي أنا نلاحظ أن العلماء قد اتخذوا هذه الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث ونحوهما ومذاهبهما الكلامية . ومن الغريب أنهم لا يكادون يجدون في ذلك مشقة ولا عسرا ، حتى إنك لتحس كأن هذا الشعر الجاهلي إنما قـُدّ على قـَدّ القرآن والحديث كما يقد الثوب على قد لابسه لا يزيد ولاينقص عما أراد طولا وسعة . إذن فنحن نجهر بأن هذا ليس من طبيعة الأشياء ، وأن هذه الدقة في الموازاة بين القرآن والحديث والشعر الجاهلي لا ينبغي أن تحمل على الاطمئنان إلا الذين رزقوا حظا من السذاجة لم يتح لنا مثله . إنما يجب أن تحملنا هذه الدقة والموازاة على الشك والحيرة وعلى أن نسأل أنفسنا : أليس ممكن ألا تكون هذه الدقة في الموازاة نتيجة من نتائج المصادفة ، وإنما هي شيء تكلف وطلب وانفق فيه أصحابه بياض الأيام وسواد الليالي ؟ يجب أن نكون على حظ عظيم جدا من السذاجة لنصدق أن فلانا أقبل على ابن عباس وقد أعد له طائفة من المسائل تتجاوز المائتين حول لغة القرآن فأخذ يلقي عليه المسألة فإذا أجاب عليه سأله : وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ فيقول : نعم ! قال امرؤ القيس أو قال عنترة أو قال غيرهما من الشعراء . . .







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:23 PM رقم المشاركة : 58
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

وينشد بيتا لا تشك إن كنت من أهل الفقه في أنه إنما وضع ليثبت صحة اللفظ الذي يستشهد عليه من ألفاظ القرآن !
وهنا نمس أمرا من هذه الأمور التي سيغضب لها أنصار الأدب القديم ، ولكننا سنمضي في طريقنا كما بدأنا لا مواربين ولا مخادعين :
أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس ونافع بن الأزرق قد وضعت في تكلف وتصنع لغرض من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله ، لإتبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب ، أو لإثبات ان عبدالله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين ؟ وأنت تعلم أن ذاكرة ابن عباس كانت مضرب المثل في القرن الثاني والثالث للهجرة . وأنت تذكر قصته مع نافع بن الأزرق هذا ، وعمرو بن أبي ربيعة حين أنشده : "أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكرُ" ، وأنت تعلم أن عبدالله بن عباس كان له مولى أخذ عنه العلم ونقله إلى الناس ودس على مولاه شيئا كثيرا ، وهو عكرمة . وأنت تعلم أن اثبات هذا الحفظ الكثير لعبدالله ابن عباس لم يكن يخلو من فائدة سياسية ، لأن ابن عباس روى أشياء كثيرة أو رويت عنه أشياء كثيرة تنفع الشيعة ، ولأن ابن عباس أجاب نافع بن الأزرق حين قال له : ما رأيت أحفظ منك يا بن عباس ، بقوله : ما رأيت أحفظ من علي . وأنت تعلم أن هناك حديثا ترويه الشيعة يجعل النبي مدينة العلم ، ويجعل عليا بابها .
بل أليس يمكن أن تكون قصة ابن عباس هذه قد وضعت في سذاجة وسهولة ويسر ، لا لشيء إلا هذا الغرض التعليمي اليسير ، وهو أن يسمع الطالب لفظا من ألفاظ القرآن ويجد الشاهد عليه من غير مشقة ولا عناء ، أراد أحد العلماء أن يفسر طائفة من ألفاظ القرآن فوضع هذه القصة واتخذها سبيلا إلى ما أراد ؟ ولعل لهذه القصة أصلا يسيرا جدا ، لعل نافعا سأل ابن عباس عن مسائل قليلة فزاد فيها هذا العالم ومدها حتى أصبحت رسالة مستقلة يتداولها الناس .
وهذا النحو من التكلف والانتحال للاغراض التعليمية الصرفة كان شائعا معروفا في العصر العباسي ولا سيما في القرن الثاث والرابع . ولست أريد أن أطيل ولا أن أتعمق في إثبات هذا ؛ إنما أحيلك إلى كتاب "الأمالى لأبي على القالي" وإلى ما يشبهه من الكتب فسترى طائفة من الأحاجي والأوصاف تنسب إلى الأعراب رجالا ونساء شبابا وشيبا ، سترى مثلا بنات سبعا اجتمعن وتواصفن أفراس آبائهن فتقول كل واحدة منهن في فرس أبيها كلاما غريبا ومسجوعا يأخذه أهل السذاجة على أنه قد قيل حقا ، في حين أنه لم يقل ، وإنما كتبه معلم يريد أن يحفظ تلاميذه أوصاف الخيل وما يقال فيها ، أرى عالم يريد أن يتفيهق ويظهر كثرة ما وعى من العلم . وقل مثل ذلك في سبع بنات اجتمعن وتواصفن المثل الأعلى للزوج الذي تطمع فيه كل واحدة منهن ، فأخذن يقلن كلاما غريبا مسجوعا في وصف الرجولة والفتوة والتعريض أو التلميح إلى ما تحب المرأة من الرجل .
ومثل هذا كثيرا شعرا ونثرا وسجعا ، تجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال وغيرها من الكتب . وأكاد أعتقد أن هذا النحو من الانتحال هو أصل المقامات وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء .
ولكني بعدت عن الموضوع فيما يظهر ، فلأعد إليه لأقول ما كنت أقول منذ حين ، وهو أن من الحق علينا لأنفسنا و للعلم أن نسأل :
أليس هذا الشعر الجاهلي الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين لا عقليتهم ولا دياناتهم ولا حضاراتهم بل لا يمثل لغتهم ، أليس هذا الشعر قد وضع وضعا وحمل على أعصابه حملا بعد الإسلام ؟ أما أنا فلا أكاد أشك الآن في هذا . ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت لنا هذه النظرية أن نتبين الأسباب المختلفة التي حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام .
" 1 "
ليس الانتحال مقصورا على العرب
يجب أن يتعود الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قدر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال ، وما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف ، ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه ويرد كل شيء فيه إلى أصله . وإذا كان هناك شيء يوخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا إلى الحق فيه ، فهو أنهم لم يلموا إلماما كافيا بتاريخ هذه الأمم القديمة ، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها ؛ وإنما نظروا إلى هذه الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحد ، لم تشبه أحدا ولم يشبهها أحد ، لم تؤثر في أحد ولم يوثر فيها أحد ، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم .
والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغير رأيهم في الأمة العربية ، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم ، ولست أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين : الأمة اليونانية والأمة الرومانية . فقد قدر لهاتين الأمتين في العصور القديمة مثل ما قدر للأمة العربية في العصور الوسطى . كلتاهما تحضرت بعد بداوة . وكلتاهما خضعت في حياتها الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة . وكلتاهما انتهت إلى نوع من التكوين السياسي دفعها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتغير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض . وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثا وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثا قيما لا تزال تنتفع به إلى الآن : ترك اليونان فلسفة وأدبا ، وترك الرومان تشريعا ونظاما .
وكذلك كان شأن هذه الأمة العربية ، تحضرت كما تحضر اليونان والرومان بعد البداوة ، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بضروف سياسية مختلفة ، انتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين الساسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض ، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثا قيما خالدا فيه أدب وعلم ودين . وليس من العجب في شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشابهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة .
وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نقل متحددة . ولم لا ؟ أليست هذه الإشارة التي قدمنها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة !
ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان ؛ فنحن لم نكتب لهذا ، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب والتي يجزع لها أنصار القديم جزعا شديدا ليست مقصورة على الأمة العربية ، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة ، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين . فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتحل فيها الشعر انتحالا وحمل على قدمائها كذبا وزوراً ، وإنما انتحل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية من قبل وحمل على القدماء من شعرائها ، وانخدع به الناس وآمنوا له ، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سنة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها ، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النقاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنته بعد ، وأنها لن تنتهي غدا ولا بعد غد ، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيرت تغيرا تاما ما كان معروفا متوارثا من تاريخ هاتين الأمتين وآدابهما . وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية إنما هو في حقيقة الأمر تأثر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب ، وهو منهج (ديكارت) الفلسفي .
وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن تتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب . ولا بد من أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم . ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية ، أو قل أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية . وهي كلما مضى عليها الزمن جدّت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب .
وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم ، وآخرون ينصرون الجديد ، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوما قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية ، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل . وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد من يوم إلى يوم ، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العلم الغربي ؛ كل ذلك سيقضي غدا أو بعد غد بأن يصبح عقلنا غربيا ، وبأن ندرس آداب العرب وتاريخهم متأثرين بمنهج (ديكارت) كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان .
ولقد أحب أن تلم إلماماً قليلا بأي كتاب من هذه الكتب الكثيرة التي تنشر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية ، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقى مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأمتين : أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودِسّا ؟ أحق ما كانوا يتحدثون به بل ما كانوا يؤمنون به في شأن (هوميروس) و (هيريودوس) وغيرهما من الشعراء القصصين ؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان ؟ إن من اللذيد حقا أن تقرأ ما كتب (هيرودوت) في تاريخ اليونان ، و (تيتوس ليفوس) في تاريخ الرومان ، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين . ولكنك لا تكاد تجد شيئا من الفرق بين ما كان يتحدث به ابن اسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم ، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر . ذلك لأن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بعدُ بهذا المنهج الحديث ، ولم تستطع بعدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تخلص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير .
وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ . فالمستقبل لمنهج (ديكارت) لا لمنهج القدماء .
" 2 "
السياسة وانتحال الشعر
قلت إن العرب قد خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم القديمة من المؤثرات التي دعت إلى انتحال الشعر والأخبار . ولعل أهم هذه المؤثرا التي طبعت الأمة العربية وحياتها بطابع لا يمّحي ولا يزول هو هذا المؤثر الذي يصعب تمييزه والفصل فيه ؛ لأنه مزاج من عنصرين قويين جدا ، هما الدين والسياسة . والحق أن لا سبيل إلى فهم التاريخ الإسلامي مهما تختلف فروعه إلا إذا وضحت هذه المسألة (مسألة الدين والسياسة) توضيحا كافيا . فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهر الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني .
هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام ؛ فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه . وهم في الوقت نفسه أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع ، فهم مضطرون إلى أن يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم .
وإذن فكل حركة من حركاتهم وكل مظهر من مظاهر حياتهم متأثر بالدين ، متأثر بالسياسة . وإذا كانت حياتهم كما نصف تأثرا متصلا بالدين والسياسة ، واجتهادا متصلا في التوفيق بينهما ، أو بعبارة أصح في الاستفادة منهما جميعا ، فخليق بالمؤرخ السياسي أو الادبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ . وسترى عندما نتعمق بك قليلا في هذا الموضوع أنا لسنا غلاة ولا مخطئين .
وأول ما يحسن أن نلاحظه ، هو هذا الجهاد العنيف الذي اتصل بين النبي وأصحابه من ناحية ، وبين قريش وأوليائها من ناحية أخرى . أما في أول عهد الإسلام بالظهور حين كان النبي وأصحابه في مكة مستضعفين فقد كان هذا الجهاد جدليا خالصا ، وكان النبي يكاد يقوم به وحده بإزاء الكثرة المطلقة من قومه ، يجادلهم بالقرآن ويقارعهم بهذه الآيات المحكمات ، فيبلغ منهم ويفحمهم ويضطرهم إلى الإعياء . وهو كلما بلغ من ذلك حظا انتصر له من قومه فريق حتى تكوّن له حزب ذو خطر ، ولكنه لم يكن حزبا سياسيا ، ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلـّب ولا قهر ، أو لم يكن ذلك في دعوته . غير أن هذا الحزب كان كلما اشتدت قوته وقوي أسره اشتدت مناضلة قريش له وفتنتها إياه حتى كان ما تعلم من الهجرة الأولى ثم من هجرة النبي إلى المدينة .
وليس هنا موضع البحث عن هذه الهجرة إلى المدينة ، وعما أعد الأنصار لنصر النبي وإيوائه ، وعن النتائج المختلفة التي أنتجتها الهجرة . ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعا جديدا ، جعلت الخلاف سياسيا يعتمد في حله على القوة السيف بعد أن كان من قبل دينيا يعتمد على الجدال والنضال بالحجة ليس غير .
* * * * *
منذ هاجر النبي إلى المدينة تكوّنت للإسلام وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد ، وأحست قريش أن الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسنن القديمة ، إلى شيء آخر كان فيما يظهر أعظم خطرا في نفوس قريش من الدين وما يتصل به ، وهو السيادة السياسية في الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة وبين البلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشتاء والصيف . وأنت تعلم أن الإستيلاء على العير هو أصل الواقعة الكبرى الأولى بين النبي وقريش في بدر . فليس من شك إذن في أن الجهاد بين النبي وقريش قد كان دينيا خالصا ما أقام النبي في مكة . فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد دينيا وسياسيا واقتصاديا ، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا على أن الإسلام حق أو غير حق ، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن ، والطرق التجارية لمن تخضع .
وعلى هذا النحو وحده تستطيع أن تفهم سيرة النبي منذ هاجر إلى المدينة لا مع قريش وحدها بل مع غيرها من العرب ، بل مع اليهود أيضا .
ولكننا لا نكتب تاريخ النبي ، وإنما نريد أن نصل مسرعين إلى ما يعنينا من هذا كله ، وهو أن استحالة الجهاد إلى جهاد سياسي بعد أن كان جهادا دينيا قد استحدث عداوة بين مكة والمدينة ، أو بين قريش والأنصار لم تكن موجودة من قبل . فالسيرة تحدثنا بأن صلاة المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة . وكان ذلك معقولا وطبيعيا ؛ فقد كان الأوس والخزرج على طريق قريش إلى الشام . ولم يكن بد لهذه المدينة التجارية التي تسمى مكة من أن تؤمن طرقها التجارية وتوثق صلات الود مع الذين يستطيعون أن يعرّضوا هذه الطرق للخطر .
نشأت إذن بعد الهجرة عداوة بين مكة والمدينة ، وما إلا أن اصطبغت هذه العداوة بالدم يوم انتصر الانصار في "بدر" ويوم انتصرت قريش في "أحد" . وما هي إلا أن اشترك الشعر في هذه العداوة مع السيف ، فوقف شعراء الأنصار وشعراء قريش يتهاجون ويتجادلون ويتناضلون ، يدافع كل فريق عن أحسابه وأنسابه ويشيد بذكر قومه . ثم كان الموقف دقيقا ، فقد كان شعراء الأنصار يدافعون قريشا عن النبي وأصحابه وهم من قريش ؛ وكان شعراء قريش يهجون مع الأنصار النبي وأصحابه ، وهم من خلاصة قريش . ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف ؛ فإن النبي كان يحرّض عليه ، ويثيب أصحابه ويقدّمهم ويعِدهم ، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر المثوبة عند الله ، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً .
كثر الهجاء إذن واشتد بين قريش والأنصار لما كثرت الحرب واشتدت . وأنت تعلم مقدار حظ العرب من العصبية وحرصهم على الثأر للدماء المسفوكة ، وجدّهم في الدفاع عن الأعراض المنتهكة . فليس غريبا أن تبلغ الضغينة بين هذين الحيين من أهل الحجاز أقصى ما كانت تستطيع أن تبلغه .
ولقد مضت قريش في جهادها بالسنان واللسان والأنفس والأموال ، وأعانها من أعانها من العرب واليهود ، ولكنها لم توفق . وأمست ذات يوم وإذا خيل النبي قد أظلـّت مكة ، فنظر زعيمها وحازمها







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:24 PM رقم المشاركة : 59
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

وينشد بيتا لا تشك إن كنت من أهل الفقه في أنه إنما وضع ليثبت صحة اللفظ الذي يستشهد عليه من ألفاظ القرآن !
وهنا نمس أمرا من هذه الأمور التي سيغضب لها أنصار الأدب القديم ، ولكننا سنمضي في طريقنا كما بدأنا لا مواربين ولا مخادعين :
أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس ونافع بن الأزرق قد وضعت في تكلف وتصنع لغرض من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله ، لإتبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب ، أو لإثبات ان عبدالله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين ؟ وأنت تعلم أن ذاكرة ابن عباس كانت مضرب المثل في القرن الثاني والثالث للهجرة . وأنت تذكر قصته مع نافع بن الأزرق هذا ، وعمرو بن أبي ربيعة حين أنشده : "أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكرُ" ، وأنت تعلم أن عبدالله بن عباس كان له مولى أخذ عنه العلم ونقله إلى الناس ودس على مولاه شيئا كثيرا ، وهو عكرمة . وأنت تعلم أن اثبات هذا الحفظ الكثير لعبدالله ابن عباس لم يكن يخلو من فائدة سياسية ، لأن ابن عباس روى أشياء كثيرة أو رويت عنه أشياء كثيرة تنفع الشيعة ، ولأن ابن عباس أجاب نافع بن الأزرق حين قال له : ما رأيت أحفظ منك يا بن عباس ، بقوله : ما رأيت أحفظ من علي . وأنت تعلم أن هناك حديثا ترويه الشيعة يجعل النبي مدينة العلم ، ويجعل عليا بابها .
بل أليس يمكن أن تكون قصة ابن عباس هذه قد وضعت في سذاجة وسهولة ويسر ، لا لشيء إلا هذا الغرض التعليمي اليسير ، وهو أن يسمع الطالب لفظا من ألفاظ القرآن ويجد الشاهد عليه من غير مشقة ولا عناء ، أراد أحد العلماء أن يفسر طائفة من ألفاظ القرآن فوضع هذه القصة واتخذها سبيلا إلى ما أراد ؟ ولعل لهذه القصة أصلا يسيرا جدا ، لعل نافعا سأل ابن عباس عن مسائل قليلة فزاد فيها هذا العالم ومدها حتى أصبحت رسالة مستقلة يتداولها الناس .
وهذا النحو من التكلف والانتحال للاغراض التعليمية الصرفة كان شائعا معروفا في العصر العباسي ولا سيما في القرن الثاث والرابع . ولست أريد أن أطيل ولا أن أتعمق في إثبات هذا ؛ إنما أحيلك إلى كتاب "الأمالى لأبي على القالي" وإلى ما يشبهه من الكتب فسترى طائفة من الأحاجي والأوصاف تنسب إلى الأعراب رجالا ونساء شبابا وشيبا ، سترى مثلا بنات سبعا اجتمعن وتواصفن أفراس آبائهن فتقول كل واحدة منهن في فرس أبيها كلاما غريبا ومسجوعا يأخذه أهل السذاجة على أنه قد قيل حقا ، في حين أنه لم يقل ، وإنما كتبه معلم يريد أن يحفظ تلاميذه أوصاف الخيل وما يقال فيها ، أرى عالم يريد أن يتفيهق ويظهر كثرة ما وعى من العلم . وقل مثل ذلك في سبع بنات اجتمعن وتواصفن المثل الأعلى للزوج الذي تطمع فيه كل واحدة منهن ، فأخذن يقلن كلاما غريبا مسجوعا في وصف الرجولة والفتوة والتعريض أو التلميح إلى ما تحب المرأة من الرجل .
ومثل هذا كثيرا شعرا ونثرا وسجعا ، تجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال وغيرها من الكتب . وأكاد أعتقد أن هذا النحو من الانتحال هو أصل المقامات وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء .
ولكني بعدت عن الموضوع فيما يظهر ، فلأعد إليه لأقول ما كنت أقول منذ حين ، وهو أن من الحق علينا لأنفسنا و للعلم أن نسأل :
أليس هذا الشعر الجاهلي الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين لا عقليتهم ولا دياناتهم ولا حضاراتهم بل لا يمثل لغتهم ، أليس هذا الشعر قد وضع وضعا وحمل على أعصابه حملا بعد الإسلام ؟ أما أنا فلا أكاد أشك الآن في هذا . ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت لنا هذه النظرية أن نتبين الأسباب المختلفة التي حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام .
" 1 "
ليس الانتحال مقصورا على العرب
يجب أن يتعود الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قدر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال ، وما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف ، ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه ويرد كل شيء فيه إلى أصله . وإذا كان هناك شيء يوخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا إلى الحق فيه ، فهو أنهم لم يلموا إلماما كافيا بتاريخ هذه الأمم القديمة ، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها ؛ وإنما نظروا إلى هذه الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحد ، لم تشبه أحدا ولم يشبهها أحد ، لم تؤثر في أحد ولم يوثر فيها أحد ، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم .
والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغير رأيهم في الأمة العربية ، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم ، ولست أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين : الأمة اليونانية والأمة الرومانية . فقد قدر لهاتين الأمتين في العصور القديمة مثل ما قدر للأمة العربية في العصور الوسطى . كلتاهما تحضرت بعد بداوة . وكلتاهما خضعت في حياتها الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة . وكلتاهما انتهت إلى نوع من التكوين السياسي دفعها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتغير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض . وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثا وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثا قيما لا تزال تنتفع به إلى الآن : ترك اليونان فلسفة وأدبا ، وترك الرومان تشريعا ونظاما .
وكذلك كان شأن هذه الأمة العربية ، تحضرت كما تحضر اليونان والرومان بعد البداوة ، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بضروف سياسية مختلفة ، انتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين الساسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض ، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثا قيما خالدا فيه أدب وعلم ودين . وليس من العجب في شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشابهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة .
وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نقل متحددة . ولم لا ؟ أليست هذه الإشارة التي قدمنها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة !
ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان ؛ فنحن لم نكتب لهذا ، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب والتي يجزع لها أنصار القديم جزعا شديدا ليست مقصورة على الأمة العربية ، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة ، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين . فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتحل فيها الشعر انتحالا وحمل على قدمائها كذبا وزوراً ، وإنما انتحل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية من قبل وحمل على القدماء من شعرائها ، وانخدع به الناس وآمنوا له ، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سنة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها ، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النقاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنته بعد ، وأنها لن تنتهي غدا ولا بعد غد ، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيرت تغيرا تاما ما كان معروفا متوارثا من تاريخ هاتين الأمتين وآدابهما . وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية إنما هو في حقيقة الأمر تأثر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب ، وهو منهج (ديكارت) الفلسفي .
وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن تتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب . ولا بد من أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم . ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية ، أو قل أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية . وهي كلما مضى عليها الزمن جدّت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب .
وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم ، وآخرون ينصرون الجديد ، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوما قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية ، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل . وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد من يوم إلى يوم ، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العلم الغربي ؛ كل ذلك سيقضي غدا أو بعد غد بأن يصبح عقلنا غربيا ، وبأن ندرس آداب العرب وتاريخهم متأثرين بمنهج (ديكارت) كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان .
ولقد أحب أن تلم إلماماً قليلا بأي كتاب من هذه الكتب الكثيرة التي تنشر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية ، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقى مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأمتين : أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودِسّا ؟ أحق ما كانوا يتحدثون به بل ما كانوا يؤمنون به في شأن (هوميروس) و (هيريودوس) وغيرهما من الشعراء القصصين ؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان ؟ إن من اللذيد حقا أن تقرأ ما كتب (هيرودوت) في تاريخ اليونان ، و (تيتوس ليفوس) في تاريخ الرومان ، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين . ولكنك لا تكاد تجد شيئا من الفرق بين ما كان يتحدث به ابن اسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم ، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر . ذلك لأن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بعدُ بهذا المنهج الحديث ، ولم تستطع بعدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تخلص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير .
وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ . فالمستقبل لمنهج (ديكارت) لا لمنهج القدماء .
" 2 "
السياسة وانتحال الشعر
قلت إن العرب قد خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم القديمة من المؤثرات التي دعت إلى انتحال الشعر والأخبار . ولعل أهم هذه المؤثرا التي طبعت الأمة العربية وحياتها بطابع لا يمّحي ولا يزول هو هذا المؤثر الذي يصعب تمييزه والفصل فيه ؛ لأنه مزاج من عنصرين قويين جدا ، هما الدين والسياسة . والحق أن لا سبيل إلى فهم التاريخ الإسلامي مهما تختلف فروعه إلا إذا وضحت هذه المسألة (مسألة الدين والسياسة) توضيحا كافيا . فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهر الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني .
هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام ؛ فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه . وهم في الوقت نفسه أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع ، فهم مضطرون إلى أن يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم .
وإذن فكل حركة من حركاتهم وكل مظهر من مظاهر حياتهم متأثر بالدين ، متأثر بالسياسة . وإذا كانت حياتهم كما نصف تأثرا متصلا بالدين والسياسة ، واجتهادا متصلا في التوفيق بينهما ، أو بعبارة أصح في الاستفادة منهما جميعا ، فخليق بالمؤرخ السياسي أو الادبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ . وسترى عندما نتعمق بك قليلا في هذا الموضوع أنا لسنا غلاة ولا مخطئين .
وأول ما يحسن أن نلاحظه ، هو هذا الجهاد العنيف الذي اتصل بين النبي وأصحابه من ناحية ، وبين قريش وأوليائها من ناحية أخرى . أما في أول عهد الإسلام بالظهور حين كان النبي وأصحابه في مكة مستضعفين فقد كان هذا الجهاد جدليا خالصا ، وكان النبي يكاد يقوم به وحده بإزاء الكثرة المطلقة من قومه ، يجادلهم بالقرآن ويقارعهم بهذه الآيات المحكمات ، فيبلغ منهم ويفحمهم ويضطرهم إلى الإعياء . وهو كلما بلغ من ذلك حظا انتصر له من قومه فريق حتى تكوّن له حزب ذو خطر ، ولكنه لم يكن حزبا سياسيا ، ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلـّب ولا قهر ، أو لم يكن ذلك في دعوته . غير أن هذا الحزب كان كلما اشتدت قوته وقوي أسره اشتدت مناضلة قريش له وفتنتها إياه حتى كان ما تعلم من الهجرة الأولى ثم من هجرة النبي إلى المدينة .
وليس هنا موضع البحث عن هذه الهجرة إلى المدينة ، وعما أعد الأنصار لنصر النبي وإيوائه ، وعن النتائج المختلفة التي أنتجتها الهجرة . ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعا جديدا ، جعلت الخلاف سياسيا يعتمد في حله على القوة السيف بعد أن كان من قبل دينيا يعتمد على الجدال والنضال بالحجة ليس غير .
* * * * *
منذ هاجر النبي إلى المدينة تكوّنت للإسلام وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد ، وأحست قريش أن الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسنن القديمة ، إلى شيء آخر كان فيما يظهر أعظم خطرا في نفوس قريش من الدين وما يتصل به ، وهو السيادة السياسية في الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة وبين البلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشتاء والصيف . وأنت تعلم أن الإستيلاء على العير هو أصل الواقعة الكبرى الأولى بين النبي وقريش في بدر . فليس من شك إذن في أن الجهاد بين النبي وقريش قد كان دينيا خالصا ما أقام النبي في مكة . فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد دينيا وسياسيا واقتصاديا ، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا على أن الإسلام حق أو غير حق ، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن ، والطرق التجارية لمن تخضع .
وعلى هذا النحو وحده تستطيع أن تفهم سيرة النبي منذ هاجر إلى المدينة لا مع قريش وحدها بل مع غيرها من العرب ، بل مع اليهود أيضا .
ولكننا لا نكتب تاريخ النبي ، وإنما نريد أن نصل مسرعين إلى ما يعنينا من هذا كله ، وهو أن استحالة الجهاد إلى جهاد سياسي بعد أن كان جهادا دينيا قد استحدث عداوة بين مكة والمدينة ، أو بين قريش والأنصار لم تكن موجودة من قبل . فالسيرة تحدثنا بأن صلاة المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة . وكان ذلك معقولا وطبيعيا ؛ فقد كان الأوس والخزرج على طريق قريش إلى الشام . ولم يكن بد لهذه المدينة التجارية التي تسمى مكة من أن تؤمن طرقها التجارية وتوثق صلات الود مع الذين يستطيعون أن يعرّضوا هذه الطرق للخطر .
نشأت إذن بعد الهجرة عداوة بين مكة والمدينة ، وما إلا أن اصطبغت هذه العداوة بالدم يوم انتصر الانصار في "بدر" ويوم انتصرت قريش في "أحد" . وما هي إلا أن اشترك الشعر في هذه العداوة مع السيف ، فوقف شعراء الأنصار وشعراء قريش يتهاجون ويتجادلون ويتناضلون ، يدافع كل فريق عن أحسابه وأنسابه ويشيد بذكر قومه . ثم كان الموقف دقيقا ، فقد كان شعراء الأنصار يدافعون قريشا عن النبي وأصحابه وهم من قريش ؛ وكان شعراء قريش يهجون مع الأنصار النبي وأصحابه ، وهم من خلاصة قريش . ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف ؛ فإن النبي كان يحرّض عليه ، ويثيب أصحابه ويقدّمهم ويعِدهم ، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر المثوبة عند الله ، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً .
كثر الهجاء إذن واشتد بين قريش والأنصار لما كثرت الحرب واشتدت . وأنت تعلم مقدار حظ العرب من العصبية وحرصهم على الثأر للدماء المسفوكة ، وجدّهم في الدفاع عن الأعراض المنتهكة . فليس غريبا أن تبلغ الضغينة بين هذين الحيين من أهل الحجاز أقصى ما كانت تستطيع أن تبلغه .
ولقد مضت قريش في جهادها بالسنان واللسان والأنفس والأموال ، وأعانها من أعانها من العرب واليهود ، ولكنها لم توفق . وأمست ذات يوم وإذا خيل النبي قد أظلـّت مكة ، فنظر زعيمها وحازمها







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
   
  تصميم الذيب العربي 2011
قديم 12-21-2009, 12:26 PM رقم المشاركة : 60
معلومات العضو
ابو تراجى
عضو فخري بموقع ومنتديات الجريف شرق

الصورة الرمزية ابو تراجى
إحصائية العضو







ابو تراجى is on a distinguished road

ابو تراجى غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو تراجى المنتدى : منتدى الجريف الثـقافي والأدبي
افتراضي

أبو سفيان فإذا هو بين اثنين : إما أن يمضي في المقاومة فتفنى مكة ، وإما أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش وإلى مكة مرة أخرى . أسلم أبو سفيان وأسلمت معه قريش ، وتمت للنبي هذه الوحدة العربية ، وألقي الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار ، وأصبح الناس جميعا في ظاهر الأمر إخوانا مؤتلفين في الدين .
ولعل النبي لو عمّر بعد فتح مكة زمنا طويلا لاستطاع أن يمحو تلك الضغائن ، وأن يوجه نفوس العرب وجهة أخرى ، ولكنه توفى بعد الفتح بقليل ، ولم يضع قاعدة للخلافة ، ولا دستورا لهذه الامة التي جمعها بعد فرقة . فأي غرابة في أن تعود هذه الضغائن إلى الظهور ، وفي أن تستيقظ الفتنة بعد نومها ، وفي أن يزول هذا الرماد الذي كان يخفي تلك الأحقاد !
وفي الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار من الأوس والخزرج في الخلافة أين تكون ؟ ولمن تكون ؟ وكاد الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين وحزم نفر من قريش ، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريش . فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة إلى قريش . وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين ، وأنهم قد أجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عُبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر ، وأن يبايع عمر ، وأن يصلي بصلاة المسلمين ، وأن يحج بحجهم . وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة ، حتى قتل غيلة في بعض أسفاره . قتله الجن فيما يزعم الرواة . وانصرفت قوة قريش والأنصار إلى ما كان من انتقاض العرب على المسلمين أيام أبي بكر ، وإلى ما كان من الفتوح أيام عمر . ولكن المقيمين من أولئك وهؤلاء في مكة والمدينة لم يكونوا يستطيعون أن ينسوا تلك الخصومة العنيفة التي كانت بينهم أيام النبي ، ولا تلك الدماء التي سفكت في الغزوات .
وليس من شك في أن حزم عمر قد حال بين المهاجرين والأنصار ، أو بعبارة أصح : بين قريش والأنصار وبين الفتنة . فالرواة يحدثوننا أن عمر نهى عن رواية الشعر الذي تهاجى به المسلمون والمشركون أيام النبي . وهذه الرواية نفسها تثبت رواية أخرى ، وهي أن قريشا والأنصار تذاكروا ما كان قد هجى به بعضهم بعضا أيام النبي ؛ وكانوا حراصا على روايته يجدون في ذلك من اللذة والشماتة ما لا يشعر به إلا صاحب العصبية القوية إذا وتر أو انتصر .
وقد ذكر الرواة أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم شعرا في مسجد النبي ؛ فأخذ بإذنه وقال : أرغاء كرغاء البعير ؟ قال حسان : إليك عني يا عمر ، فوالله كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك فيرضى ؛ فمضى عمر وتركه . وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدّمنا من أن الأنصار كانوا موتورين ، وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم ، فكانوا يتعزّون بنصرهم للنبي وانتصافهم من قريش وما كان لهم من البلاء قبل موت النبي وما أفادوا بأيديهم وألسنتهم من مجد .
وكان عمر قرشِياً تكره عصبيته أن تـُزدرى قريش ، وتنكر ما أصابها من هزيمة ، وما أشيع عنها من مكر . وكان فوق هذا كله أميرا حازما يريد أن يضبط أمور الرعية ، وأن يؤسس ملك المسلمين على شيء غير العصبية . وقد وفق بعض التوفيق ، ولكنه لم يظفر بكل ما كان يريد .
تحدّث الرواة أن عبد الله بن الزّبعرى وضرار بن الخطاب قدِما المدينة أيام عمر فذهبا إلى أبي أحمد بن جحش ، وكان رجلا ضريرا حسن الحديث يألفه الناس ويتحدثون عنده ، قالا جئناك لتدعوا لنا حسان بن ثابت لينشدنا وننشده ؛ قال : هو ما تريدان ، وأرسل إلى حسان فجاء ؛ قال : هذان أخواك قد أقبلا من مكة يريدان أن يسمعاك ويُسمعا لك ؛ قال حسان : إن شئتما فابدءا وإن شئتما بدأت ؛ قالا : بل نبدأ ، فأخذا ينشدانه مما قالت قريش في الأنصار حتى فار وأخذ يغلي كالمرجل ، فلما فرغا استوى كل منهما إلى راحلته ومضيا إلى مكة . وذهب حسان مغضبا إلى عمر وقص عليه الخبر ؛ قال عمر : سأردهما عليك إن شاء الله . ثم أرسل من ردّهما ؛ حتى إذا كانا بين يدي عمر ومعه نفر من أصحاب النبي ، قال لحسان : أنشدهما ما شئت ؛ فأنشدهما حتى اشتفى . وقال عمر بعد ذلك - فيما يحدثنا صاحب الأغاني - : قد كنتُ نهيتكم عن رواية هذا الشعر لأنه يوقظ الضغائن ، فأما إذا أبوا فاكتبوه . وسواء أقال عمر هذا أم لم يقله ، فقد كان الأنصار يكتبون هجاءهم لقريش ويحرصون على أن لا يضيع .
قال ابن سلام : وقد نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية ، فاستكثرت منه في الإسلام . وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يُهجى فيه الأنصار .
ولما قتل عمر وانتهت الخلافة بعد المشقة إلى عثمان ، تقدمت الفكرة السياسية التي كانت تشغل أبا سفيان خطوة أخرى ، فلم تصبح الخلافة في قريش فحسب ، بل أصبحت في بني أمية خاصة . واشتدت عصبية قريش ، واشتدت عصبية الأمويين ، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب ، وقد هدأت حركة الفتح ، وأخذ العرب يفرغ بعضهم لبعض . وكان من نتائج ذلك ما تعلم من قتل عثمان وافتراق المسلمين وانتهاء الأمر كله إلى بني أمية بعد تلك الفتن والحروب .
في ذلك الوقت تغيرت خطة الخليفة السياسية أو بعبارة أدق : فشلت هذه الخطة التي كان يختطها عمر ، وهي منع العرب أن يتذاكروا ما كان بينهم من الضغائن قبل الإسلام . وعاد العرب إلى شر مما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإسلامية . ويكفي أن أقص عليك ما كان من تنافس الشعراء من الأنصار وغيرهم عند معاوية ويزيد بن معاوية ، لتعلم إلى أي حد عاد العرب في ذلك الوقت إلى عصبيتهم القديمة .
ولعلك قرأت تلك القصة التي تخبرنا بأن عبد الرحمن بن حسان شبب برملة بنت معاوية نكاية في بني أمية . فأما معاوية فاصطنع الحلم كعادته ، وقال لعبد الرحمن : فأين أنت من أختها هند ! وأما يزيد فقد كان صورة لجده أبي سفيان ، كان رجل عصبية وقوة وفتك وسخط على الإسلام وما سنه للناس من سنن ، فأغرى كعب بن جعيْل بهجاء الانصار ؛ فاستعفاه وقال : أتريد أن تردني كافرا بعد إسلام ؟ فأغرى الأخطل وكان نصرانيا فأجابه وهجا الأنصار هجاءً مقذعا مشهورا .
قلت أن يزيد كان صورة صادقة لجده أبي سفيان ، يؤثر العصبية على كل شيء . وأنت لا تنكر أن يزيد صاحب وقعة الحرّة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة ، والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر ، والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة . ولأمر ما يقول الرواة حين يقصون وقعة الحرّة إنه قد قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدراً ، أي من الذين أذلوا قريشاً .
ولستُ في حاجة أن أقص عليك هذه القصة الأخرى التي تمثل لنا عمرو بن العاص وقد ضاق ذرعا بالأنصار حتى كره اسمهم هذا ، وطلب إلى معاوية أن يمحوه ، واضطر النعمان بن بشير وهو الأنصاري الوحيد الذي شايع بني أمية إلى أن يقول :
يا سعدُ لاتجب الدعاء فما لنا نسبٌ نجيب به سوى الأنصارِ
نسـبٌ تخيّــره الإلـــه لقومنــا أثقِــــل بـــه نســبا على الكفارِ
إن الذيــن ثــووا ببـــدرٍ منكمُ يــوم القليبِ هُـــمُ وقـــودُ النارِ
وقد سمع معاوية هذا الشعر فلام عمْرا على تسرعه ليس غير . فلم يكن معاوية أقل بغضا للأنصار وتعصبا لقريش من مشيره عمرو ، أو ولي عهده يزيد . ولكن أصحاب هذه العصبية القرشية كانوا يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا شديدا ، فكان منهم المسرف كيزيد ، المقتصد كمعاوية ، وكام منهم من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء لهم . ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين على الأنصار الراثين لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي فيهم ؛ فقد يحدثنا الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان ينشدهم ، وهم غير حافلين بما يقول ؛ فلامهم على ذلك وذكرهم موقع شعر حسان من النبي ؛ وأثر ذلك في نفس حسان فقال يمدحه – وأحب أن تلتفت إلى أول هذا الشعر ، فهو حسن الدلالة على ما أريد أن أثبته من دخول الحزن على نفوس الانصار لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش – :
أقــــام على عهــــد النبي وهديـــــه حواريّــــه والقــولُ بالفعــل يعـدلُ
أقــــام على منهاجـــــه وطريقـــــه يوالي ولي الحــق والحــقُّ أعــدلُ
هو الفارس المشهور والبطـل الذي يصــول إذا ما كان يـــوم محجّـلُ
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشّها بأبيـضٍ سبـاقٍ إلى المــوتِ يـرفلُ
وإن امــرأ كانت صفيّــــــة ُ أمّــــه ومــن أســــد في بيتـــها المرفـّــلُ
لــه مــن رســول الله قربى قريبــة ومــن نصــرة الإسلام مجدٌ مؤثلُ
لكــم كربــة ذبّ الزبيــــر بسيفـــه عن المصطفى والله يعطي فيجزلُ
فمـــا مثلـــه فيهـــم ولا كــان قبلـه وليس يكـــون الدّهــر ما دام يذبُلُ
ثنــاؤك خيــر مــن فعــال معاشـر وفعــلكُ يابــن الهاشميـــة أفضــلُ
فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي وحزنه عليه وأسفه على ما فات الأنصار من موالاة النبي لهم وإنصافهم إياهم . ولكن بقية هذه الأبيات تدعو إلى شيء من الاستطراد لا بأس به ؛ لأنه لا يتجاوز الموضوع كثيرا ؛ فقد يظهر من قراءة هذه الأبيات أنه قد قصد بها إلى الإلحاح في مدح الزبير وإحصاء مآثره . وقد يظهر أن في آخرها ضعفا لا يلائم قوة أولها .
وقد روى هذه القصة نفر من آل الزبير ومن أحفاد عبد الله بن الزبير بالدقة . أفتستبعد أن تكون عصبية الزبيريين قد مدّت هذه الأبيات وطوّلتها وتجاوزت بها ما كان قد أراد حسان من الاعتراف بالجميل إلى ما كانت تريد العصبية الزبيرية من تفضيل الزبير على منافسيه أو على منافسي ابنه عبد الله بنوع خاص .
واستطراد آخر لا بأس به ، لأنه يثبت ما نحن فيه أيضا ؛ فقد ذكرت لك ما كان من هجاء الأخطل للأنصار . وهم يتحدثون – كما رأيت – أن النعمان بن بشير غضب لهذا الهجاء وأنشد بين يدي معاوية أبياتا نرويها لك ، فسترى فيها مثل ما رأيت في أبيات حسان من أثر هذه العصبية التي تضيف إلى الشعراء ما لم يقولوا . وقد كان النعمان بن بشير في الأنصار يتعصب لقريش ولبني أمية ، أو قل يمالئهم التماسا للنفع عندهم . وقد تحدثوا أنه كان الأنصاري الوحيد الذي شهد صِفـِّين مع معاوية ، كما كان الزبير من هذه القلة القرشية التي كانت تعطف على الأنصار ذكراً لعهد النبي ، أو احتفاظاً بمودة الأنصار ليوم الحاجة . قال النعمان بن بشير لمعاوية :
معاويَ إلا تعطنا الحــــقّ تعتـرف لحى الأزد مشدودا عليهـا العمائمُ
أيشتمنا عبـــدُ الأراقــــــــــم ضَلـّة وماذا الذي تجــــدي عليك الأراقمُ
فمـــا ليَ ثأرٌ دون قطــــــع لسانـه فدونك مــن تـُرضيه عنك الدراهمُ
وراعِ رويــــــدا لا تسُمنـــــا دنيّـة لعـــــلك في غِبِّ الحـــــوادث نادمُ
متى تلقَ منــــــا عصبة خزرجيـة أو الأوسَ يومـا تخترمك المخارمُ
وتلقاك خيلٌ كالقطـا مستطيــــــرة شماطيــط أرســالٌ عليهـا الشكائمُ
يسوّمها العَمران عمرو بـن عامـر وعِمـــرانُ حتى تستبـاح المحارمُ
ويبدو من الخــوْد العزيـزة حجلها وتبيضّ من هـول السيوف المقادمُ
فتطلب شعْب الصــدع بعـد التئامه فتغــــــريه فالآن والأمـــر ســـالمُ
وإلا فثــــــوبي لأمــــــــة تـُبّعيّــــة تواريثُ آبـــائي وأبيــــضُ صارمُ
وأسمـــرُ خــــطيٌّ كــــــأنّ كعوبـه نوى القسْب فيهــــا لهْذميٌّ خـُثارمُ
فإن كنتَ لم تشهــــد ببـــدر وقيعـة أذلت قريشـــا والأنــــوفُ رواغم
فسائــــل بنــا حيّيْ لؤيّ بـن غالب وأنت بمــا يخفى مــن الأمر عالمُ
ألمْ تتبــــدّر يـــــوم بــــــدر سيوفنا وليلك عمـــا نـــاب قومـــكَ قــاتمُ
ضربناكـُــمُ حتى تفــــــرّق جمعكم وطـــارت أكفٌ منكـُــــمُ وجماجمُ
وعادت على البيت الحرام عرائس وأنت على خـــوف عليـك التمائمُ
وعضّت قريش بالأنــــامل بـِغضَة ومن قبل ما عضّت عليك الأداهمُ
فكنــا لهــا في كل أمـــر نكيــــــدهُ مكان الشجـــا والأمــرُ فيـــه تفاقمُ
فمــا إن رمى رامٍ فـأوهى صفاتنـا ولا ضامنا يوما مـن الدّهر ضائمُ
وإني لأغضي عــن أمـــور كثيرة سترقى بهـــا يومـــا إليك السلالمُ
أصانـــعُ فيهـــا عبــدَ شمسٍ وإنني لتـــلك التي في النفــس مني أكاتمُ
فمــا أنت والأمــر الذي لستَ أهلهُ ولكــن وليّ الحــق والأمـرِ هاشمُ
إليــهم يصيــر الأمــرُ بعـــد شتاته فمــن لك بالأمــر الذي هــو لازمُ
بهـم شـرّع الله الهـدى فاهتدى بهم ومنــــهم لــه هـــادٍ إمــــامٌ وخاتمُ







التوقيع

الما بريدك فى البوست يحدر ليك

رد مع اقتباس
 
         
إضافة رد
   
  تصميم الذيب العربي 2011
مواقع النشر (المفضلة)
 
         

   
  تصميم الذيب العربي 2011
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 
         
أدوات الموضوع
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المكتبة الإلكترونية الشاملة allarinja منتدى الجريف للكمبيوتر واللغات والألعاب والبراعم 7 11-23-2009 08:23 AM
هل الفكرة بتصبح ذكرى؟ بدر عبد الماجد بله منتدى جريفنــا 9 10-08-2009 11:02 PM


Loading...

   
  تصميم الذيب العربي 2011
 
         

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd diamond
  تصميم الذيب العربي 2012